خامسًا: أن الدافع لإنكار من أنكر المجاز هو امتداد القول به إلى آيات الصفات ومن ثم وقع الخبط والخلط والضلال في ذلك، مع أن المذهب الحق هو أنها خارجة عن ذلك -كما تقدم- فإذا استثني ذلك يلتئم الشمل ويرتفع الخلاف ويصبح المجاز أسلوبًا سائغًا من أساليب العربية سواءً سمي مجازًا أو أسلوبًا من أساليب العرب في بيانها فيكون الخلاف في ذلك خلافًا لفظيًا خلافًا في اللفظ والاصطلاح لا في التعبير والتطبيق، وكونه يأخذ اسم المجاز أضبط وأدق وأدعى لمعرفة مجاريه وأوديته ودواعي القول به.
سادسًا: أن كبار المفسرين وأعيانهم قد فسروا كلام الله -تعالى- من خلال أسلوب المجاز في الآيات التي تقوم القرائن على حمل الكلام عليه، من أمثال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري وابن عطية الأندلسي والقرطبي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والبقاعي والقاسمي وابن سعد وغيرهم.
سابعًا وأخيرًا: أن المجاز إذا وقع في بعض آيات الذكر الحكيم لقيام قرينة تدل عليه لا يعني ذلك تسمية الله -تعالى- بالمتجوز، ولا وصفه به؛ لأن أسماء الله -تعالى- كما ذكرنا وصفاته توقيفية بإجماع السلف، بمعنى: أننا لا نسمي الله -تعالى- ولا نصفه إلا بما وصف به نفسه صريحًا في كتابه أو في صحيح سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، لأن القول بذلك تعبدي توقيفي، وليس اجتهاديًا، فكما لا يوصف الله -تعالى- بالمؤكد لوقوع التوكيد في كلامه، كذلك لا يوصف بالمتجوز أو المستعير لوقوعه في كلامه، فإن هذا لازم غير لازم، ومن قال بلزومه فلا يعتد بقوله ولا يلتفت إليه لما ذكرنا آنفًا.
أريد أن أذكر حقيقة كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا الحقيقة ورد كلام له وأنا أرى أنه فعلاً كلامه ونص عليه وقال به في مرحلة من مراحل حياته العلمية تدل على عقل وثقل و-فعلاً- على استواء النظرة في ذهنه لهذا الموضوع، قال -رحمه الله- وقد نقل هذا القول تلميذه على كتبه، القاسمي المحدث الشامي السلفي المعروف في كتابه "محاسن التأويل" المتوفى سنة ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين هجرية، يقول ناقلاً القاسمي كلامه في "محاسن التأويل" يقول اقتطف ذلك من بعض فتاويه -فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية- يقول ابن تيمية ما نصه:
(نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله، وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنَّا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب، واللحاق بمحرفة أهل الكتاب)
ثم يقول:
(والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يعرف عن غيرهم من الأئمة نص في هذه المسألة، وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم كأبي بكر بن أبي داود وأبي الحسن الخرزي، وأبي الفضل التميمي، وابن حامد فيما أظن وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز، وإنما دعاهم إلى ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز، فقابلوا الضلال والفساد بحسم المواد، ثم قال كلمة رائعة: وخيار الأمور التوسط والاقتصاد). انتهى كلامه.
بقيت كلمة أخيرة فقط أقولها وأنقل كلام العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك وفقه الله وجزاه عن المسلمين خيرًا، فقد نقل تلميذه النجيب الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، زميلنا في القسم عندما وجه له سؤالاً عن إمكانية وقوع المجاز في القرآن الكريم؟ وهل فيه مستند للمؤولة في نفي الصفات؟
فأجاب -وفقه الله- الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك أبو عبد الله أجاب بالآتي يقول: القول بانقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح محض ولا دليل عليه من عقل ولا نقل، ولا مشاحة في الاصطلاح -كما قيل- فلا يمتنع استعماله والتعبير به وإطلاقه في محاله من نصوص اللغة والقرآن الكريم المنزل على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، ما لم يستغل لتحريف الكلم عن مواضعه فصرف كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن ظاهره بغير حجة يجب المصير إليها هو التحريف الذي ذم الله به اليهود إذ كان منهجًا لهم، ومن أقبح ما وقع من التحريف في القرآن تحريفًا معنويًا ما فعله المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ومن وافقهم في الأسماء والصفات إذ قالوا: إنها مجاز، لأن ظاهرها عندهم -وهو إثبات الصفات لله تعالى- يناقض أصولهم
¥