على فكرة: المشايخ أو العلماء الذين نفوا وقوع المجاز -كما ذكرنا- هم في الآيات التي فيها مجاز يقولون: هذا أسلوب من أساليب العرب، أيضًا التوكيد أسلوب من أساليب العرب لكنه سمي توكيدًا، التقديم أسلوب من أساليب العرب سمي تقديمًا، الحذوف أسلوب من أساليب العرب سمي حذفًا، كذلك المجاز أسلوب من أساليب العرب في تقرير المعاني وتأكيدها وتصوير الأمور وتحديدها سمي مجازًا، قام شرطه، فلما استقرت العلوم وضبطت الضوابط والقواعد وظهرت شروطها ودواعي القول بها انتهى الأمر، الذي دعاها هؤلاء مثلاً أن بعض علماء العربية ممن انحرف معتقدهم أو ذلت أقدامهم في آيات الصفات ظهر القول به على ألسنتهم، فقالوا: دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فيغلق الباب تمامًا، الموضوع مصطلح يقيد ويضبط بضابطه فمن تعداه فقد أخطأ، من قال به مثلاً في آيات الصفات أو بغيره ولم يقم شرطه فقد أخطأ في فهمه هذا، كما يخطئ من قال بأن في الآية أو في هذا الكلام توكيد وليس فيه توكيد، ليس فيه شرط التوكيد ولا ظاهرته ولا صورته ولا حقيقته ولا أداته، فهكذا الأمر في هذا ينبغي أن يضبط من هذا الضابط أو من هذا الباب.

أنا أريد أن أنتهي إلى خلاصة الحقيقة مهمة جدًا في هذا القول لعلها تكون ولعلها تخرج أيضًا في بحث -إن شاء الله- في المستقبل وهي صفوة القول وخلاصته في هذا الموضوع من حيث القول بالمجاز أو عدمه، أقول:

إن المجاز مصطلح علمي حادث، كغيره من المصطلحات العلمية التي حدثت وظهرت في فترة تدوين العلوم وتفريعها لمعرفة الأدلة الشرعية وتحليل النصوص الأدبية فهو كمصطلح التوكيد والحذف وغيرهما، كما أنه لا يقال أن كلام الله -عز وجل- صدق وحق فلا يكون فيه توكيد أو حذف، كذلك لا ينكر إذا توافرت أسباب القول وحمل الكلام على المجاز إن فيه مجاز، فهو أسلوب من أساليب العرب، في بيانها كغيره من الأساليب التي خضعت للدراسة والتأصيل العلمي والضبط القاعدي.

يقول: ما شرط وقوع المجاز في الآية؟ معرفة المجاز في نفس الآية والسورة؟ هل هناك شرط يبين معرفة المجاز في الآية؟.

يعني كيف تستخرج المجاز من الآية؟.

نعم.

القاعدة الثانية أو الأمر الثاني: أن القول بالمجاز في أي أسلوب عربي لا يصار إليه إلا بشرائطه وأسبابه، وهي: القرائن والعلاقات القائمة في سياق الكلام وبدونها يُحمل الكلام على الأصل وهو الحقائق لا المجازات، وهذا باتفاق المعتبرين من أهل الاختصاص.

ثالثًا: أن ألفاظ الأسماء والصفات وأمور المغيبات في كتاب الله -تعالى- وصحيح سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، لا يصدق عليها مفهوم المجاز ولا تندرج تحت نطاقه لفقدان القرينة المانعة من إرادة معانيها الحقيقة الأصلية فتبقى على هذا الأصل، ومن خالفه فقد تعسف وحمل الأمور على غير محاملها وأتى البيوت من غير أبوابها، ولم يكن لديه حجة علمية بل يكون قد ارتكب مخالفة عقدية ودخل في نطاق الذين يلحدون في أسمائه -جل وعز- وصفاته ويميلونها عن مراد الله بها لأن مذهب السلف في ذلك هو إمرارها كما جاءت، من غير تعرض لها بتأويل أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل على حد قوله -جل وعز- ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ? [الشورى: 11]، واعتقاد معاني حقائقها ودعوته -سبحانه- بها تسمية ودعاءً كما قال -جل وعز-: ? وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ? [الأعراف: 180].

رابعًا: أن ما عدا الأسماء والصفات وما في حكمها مما تقوم فيه قرينة تمنع من إرادة معناها الأصلي فإنه لا حرج من حمله على المجاز إذا قام سببه، بل يتعين ذلك لامتناع إرادة معناه الحقيقي المعروف، وعلى سبيل المثال فقوله -جل وعز- مثل ما مثلنا في مسألة المنافقين وأيضًا في قوله -جل وعز-: ? أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ? [الأنعام: 122] أي: ضالاً فهديناه فهذا على التشبيه على الاستعارة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015