-مثلاً- عندما يقول: رأيت قمرًا، إن كان يريد به إطلاقًا يصير القمر المعروف، لكن إذا قال: رأيت قمرًا يكلم الناس، كلمة يكلم الناس هذه قرينة على أن المقصود بالقمر هنا إنسان أو امرأة أو كذا فيها من محاسن القمر ومن جماله، فالقصد من هذا أن الفرق بين الكذب والمجاز: أن الكذب لا قرينة فيه، وأنه قام على ادعاء.

منزوع من الدليل.

تمامًا .. وأما المجاز فإن له قرينة تنتصب على كونه مجازًا، قد تكون لفظية وقد تكون عقلية تشهد لها السياقات العامة.

2 - أيضًا يقولون: أن المتكلم إنما يلجأ إلى المجاز عند ضيق الحقيقة، والله -عز وجل- ليس شيء يضيق عليه -جل وعز-.

فنقول: أن هذا غير دقيق لأن العرب نفسها عندما تكلمت وعندما قالت أشعارًا، إنما تكلموا بالمجاز في مثل هذا لزيادة التصوير والمبالغة في هذا الشيء، فما ظنك بقول الشاعر مثلاً:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه ** طاروا إليه زرفات ووحدانا

تصوير رائع لسرعة هؤلاء القوم وإقدام هؤلاء على عدوهم، فإنهم لا يبالون، صور الشر بأنه أبدى ناجذيه، يعني صور الشر بسبع مفترس إذا بدا فإن الإنسان الشجاع يطير إليه ويفتك به أو يقتله أو يباعد بينه، طاروا إليه، صور أيضًا سرعتهم.

وأيضًا قول الهذلي:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع

هنا صور الموت ووقوعه بالإنسان فتصوره أشبه بسبع مفترس "أنشبت أظفارها" تمكن في الإنسان وفي جسمه وفي قلبه، خلعته خلعًا، انتهى الموضوع، لا طبيب ولا شيء، وهذا الموت طبعًا المقصود به طبعًا هو قدر الله -عز وجل- إذا حل، ? فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ? [الأعراف: 34].

كذلك قول دعبل الخزاعي:

لا تعجبي يا سلمى من رجل ** ضحك المشيب برأسه فبكى

ضحك المشيب، فالضحك هنا كناية عن ماذا؟ أو هو استعارة لأي شيء؟ لبدو الشيب، لبدو بياض الشيب في شعر الرأس، فصوره تصويرًا رائعًا.

كذلك مثل ما ذكرنا في الآيات الكريمات تجد أن التصوير فيها رائع جدًا، في مثل قوله -جل وعز-: ? كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ? [الرعد: 1] هل المقصود هنا الظلمة الحسية والنور الحسي؟

لم نعلم أن الرسول أخرج قومًا من غرفة مظلمة إلى ساحة مسفرة أو مضيئة، لا، بل المقصود به: نور الإيمان، أخرجهم من ظلام الكفر وتيهه وعماه الذي كانوا يتخبطون فيه في الجاهلية إلى نور الإيمان وسعادته ورحابته ووضاءته، هذا هو المقصود أن هذا تصوير، المقصود هنا: أنه تصوير لهذه الحالة.

يقول: الإمام محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- هل يعد من الصنف الذي لا يرى المجاز في القرآن واللغة وذلك استدلالاً بقوله: (أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلًا -وهو الحق- فعدم المجاز في القرآن واضح) كما في كتابه "منع المجاز" الأضواء في الجزء العاشر صفحة مائتين وأربعين؟.

أنا -مثل ما أشرت قبل قليل- أن الشيخ محمد -رحمه الله- نزيل المدينة، عالمها المعروف الذي استفاد منه مشايخ هذا البلد: يرى مثل ما قلنا عنه أنه يرى في كثير من كلامه أن المجاز واقع في اللغة ولكنه لا يقع في القرآن الكريم.

ولكن هذا القول إذا تقرر -أن المجاز واقع في اللغة-: فإنه بالتبع يكون واقعًا في القرآن الكريم، لماذا؟

لأن القرآن الكريم لم ينزل بغير العربية، إنما نزل بلسان عربي مبين بالنص.

ثم إن المجاز كالتوكيد أو الحذف أو غير ذلك من المصطلحات التي قررها علماء اللغة وأيضًا المنظرون للبلاغة، فكما أن في كلام الله -عز وجل- توكيدًا وحذفًا وتقديمًا وتأخيرًا كذلك فيه مجاز وتشبيه وكناية واستعارة وتعريض وغير ذلك على طريقة العرب في كلامها إذا قام شرطه، بهذا الشرط بهذا القيد.

لا نقول بالمجاز إطلاقًا، وإنما إذا قام شرطه وتوافر قيل به وإلا فلا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015