نقول في مثل هذا -مسألة التجويز-: قام على -كما ذكرنا- أنه لا يقال أصلاً بالمجاز أن الأصل في الكلام هو الحقيقة لا يصار ولا يتحول من الحقيقة إلى المجاز إلا بالشرط الرئيس بوجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي، وهذه القرينة قد تكون لفظية أو تكون عقلية، أما اللفظة فهي ممتنعة في ألفاظ الأسماء والصفات والمغيبات، أما العقلية فإن عقل البشر يكون قاصرًا ضئيلاً أن يحيط بالله -جل وعز-، ولهذا قاعدة السلف في مثل هذا قاعدة سليمة رائعة جدًا ومنجية بإذن الله -عز وجل- من الزلل والخلل والخطل، وهي قولهم: أن الأسماء والصفات نمرها أسماء ألفاظ الأسماء والصفات نمرها كما جاءت من غير تعرض لها بتأويل ولا تعطيل ولا تتكيف ولا تمثيل، ينبني على هذا قولهم: أننا لا نصف الله -عز وجل- إلا بما وصف به نفسه في صريح كتابه أو صحيح سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل على حد قوله -جل وعز-: ? لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ? [الشورى: 11]، أيضًا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة جليلة رائعة جدًا وهي قوله -رحمه الله-: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أننا نثبت لله -جل وعز- ذاتًا لا تشبه الذوات المخلوقة، فكذلك نثبت له -جل وعز- صفات لا تشبه صفات المخلوقين.

فشبهة المعطلة عندما ينفون عن الله -عز وجل- صفاته كاليدين وكالعينين وكالوجه وغيرها مما أثبته -جل وعز- لنفسه على ما يليق بجلاله وعظمته، شبهتهم في ذلك: أننا نشبهه بخلقه، إذن خير سبيل لعدم التشبيه أن ننفيها، إذن وقعتم فيما هو أعظم من التشبيه وهو التعطيل.

الله -جل وعز- يثبت له -جل وعز- ما يليق بجلاله تعالى وعظمته من الأسماء الحسنى والصفات العليا وأنتم تنفونه.

هم يقولون ماذا إذا وردت أسماء أو صفات لله -عز وجل-؟

يقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.

لو قيل لك أيها المعطل المتكلم بهذا القول: إنك سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وجهك المراد به الرضا واليدان النعمة هو نفسه سيغضب من هذا القول وسيشتط ويحتد، كيف تغضب إذا كان الكلام هذا في حقك، ولا تغضب ولا تشتد ولا تحتد أيضًا في حق الله -جل وعز- وقد أثبت هذا الشيء لنفسه -جل وعز-.

ولهذا قاعدة السلف عظيمة جليلة: أن أسماء الله -عز وجل- وصفاته أيضًا -لأن الصفة مشتقة من الاسم-: توقيفية.

ما معنى توقيفية؟

أننا وقافون في هذا على ما ورد في صريح الكتاب أو صحيح السنة، توقيفية في هذا ليس لنا أن نخترع اسمًا، بمعنى: لا يجوز أن نصف الله -عز وجل- بأنه مبتكر، أو مكتشف.

لماذا؟

لأن لفظة (مبتكر) ما جاءت إلا بعد عجز، حاول ثم حاول فلان وكذا، وكذا حتى ابتكر هذا الشيء أو اكتشف.

لا .. الله -عز وجل- بديع السماوات والأرض، خلقهم على غير مثال سابق، لا يعجزه شيء ? إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ? [يس: 82] فالله -عز وجل- في مسألة الأسماء والصفات أسماؤه -جل وعز- وصفاته توقيفية، ولذلك -لانعدام القرينة- فإنه بطل القول بالمجاز في الصفات وأمور المغيبات، أيضًا العلاقة مفقودة -كما ذكرنا في مطلع الكلام- عندما تنقل لفظًا من شيء إلى شيء لابد من علاقة رابطة بينهما، وعندما -أيضًا- تنفي عن الله -عز وجل- شيئا أو تنقل إليه شيئا لابد من وجود علاقة واضحة بينهما، والله -عز وجل- متفرد -جل وعز-: ? قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ?1? اللهُ الصَّمَدُ ?2? لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ? [الإخلاص: 1 - 3] فهو -جل وعز- الخالق الذي لا شريك له ولا شبيه له ولا ند، فجميع شروط القول بالمجاز في آيات الصفات وأمور المغيبات هي منعدمة، ولذلك يصار إلى الحقائق.

وشبهة الذين يقولون بإنكار المجاز مثلاً هي قولهم:

1 - إن المجاز كذب، وعليه فنفيه في القرآن -إذا قلنا بالمجاز في القرآن- فإن الكذب ينفى، هل يمكن أن ننفي شيئًا في القرآن الكريم؟!!

نقول: إن الفرق بين المجاز والكذب: أن الكذب نفسه ليس فيه قرينة ولا مؤشر ولا دليل على وصفه كذبا، الكذاب يأتي بكلامه عطلاً من القرائن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015