أي نعم .. الذي حكاها وذكرها هو الله -عز وجل- الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يصير، فالأصل حمل تلك الألفاظ في تلك المواقع وفي هذه المجالات على الحقائق، فهي فعلاً ينبغي أن يصار إليها ويقال إنها حقائق وليس فيها ما يوجب صرف الألفاظ عن حقيقتها.

القائلون بالمنع في مسألة منع المجاز في القرآن يقولون: إن الإخبار عن -مثلاً- الجدار أو ? يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ? [هود: 44] وكذا هو إخبار على سبيل أن الله -سبحانه وتعالى- عالم بتلك وأنها تحدث الله -عز وجل- ويحدثها الله -سبحانه وتعالى- ويأمرها، وإن لم نعرف ذلك، فهي ليست على سبيل المجاز هي على سبيل الحقيقة، فهم يرفضون ذلك؛ لقوله هذا؟

نعم .. نحن نقول في مثل هذا الأمور الغيبيات مثلاً في خطاب الله -عز وجل- كما ذكرنا هذا في الحلقة السابقة في قوله -جل وعز-: ? وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ? [هود: 44]، الأصل فيها -كما ذكرنا- وأميل إلى هذا أن تكون هذا الخطاب نفسه على الحقيقة كذلك خطابه -جل وعز- عندما خاطب السماوات والأرض: ? ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ? [فصلت: 11]، فهذا أيضًا الأصل فيه الحقيقة؛ لأنه لا معدل عن هذا إلا بقرينة، ولا يوجد قرينة من إرادتها لأنها مخلوقة، والذي خاطب هو خالقها ليس بشرًا عاديًا، ليس إنسانًا عاديًا وإن الذي خاطبها هو خالقها -جل وعز-، فهي تنطق بلغتها كما أنها تسبح بلغتها، في قوله -جل وعز-: ? تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ? [الإسراء: 44] الرعد يسبح، وتسبيحه قد يكون صوتًا بالنسبة لنا لكنه بالنسبة إلى الله -عز وجل- تسبيح يناسب ذلك الحدث أو ذلك الشيء فأقول: إن ذلك لا يمنع، لكن آيات أخر وردت فيها مظاهر المجاز أو ظواهره نقول بها مثل: قوله -جل وعز- عن المنافقين: ? أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ? [البقرة: 16] هنا لا يمكن أن تقول: إن الشراء هنا على سبيل الحقيقة -أن هناك سلعة في السوق ضلالة وهذه هدى وجاء قوم فاشتروا الضلالة وتركوا الهدى-، لا .. هذا أسلوب مجازي رائع جدًا ومصور، المقصود بالشراء هنا الاستبدال، فاستعير الشراء للاستبدال، شبه الاستبدال بالشراء بجامع ترتب شيء على شيء، واشتق من الشراء فعل اشترى بمعنى استبدلوا، ثم أيضًا شبهت أجريناها نحن بالفعل على اعتبار أنها استعارة تصريحية تبعية، وقد نجريها في الاسم في الأصلي من الضلالة، فتكون مكنية، شبهت الضلالة بسلعة معروضة تباع وتشترى، وبجامع ترتب شيء على شيء عند شرائها أو بيعها، ثم حذف المشبه به وهو السلعة ودل عليه بلازم من لوازمه وهو فعل الشراء، لأن الشراء من خصائص السلع، لا من خصائص الضلالات أو الضلالة، في غير مجال الأسماء والصفات والأمور المغيبات والأمور التي يختص بخلق الله -عز وجل- في مخلوقاته -جل وعز- هذه المجال فيها والمقام فيها يتسع، لماذا نقول هذا؟

نقول هذا لأن الله -جل وعز- قد أنزل كتابه بصريح كلامه -جل وعز- بلسان عربي مبين: ? نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ?193? عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ?194? بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ? [الشعراء: 193 - 195] فما يقع في كلام العرب من تشبيهات أو توكيدات أو حذوفات أو غير ذلك أو مجازات يقع في كلام الله -جل وعز-، وما كان جميلاً رائعًا في كلام العرب في التوكيدات والتشبيهات والكنايات وغير ذلك، يقع أيضًا جميلاً رائعًا أخاذًا بصورة أعظم وأتم في كلام الله -جل وعز-، إذا قام شرطه.

الآن نحن لا نختلف مع هذه النقطة أبدًا، القائلون بالخلاف يقولون: في مسألة: لماذا تجوزون المجاز في غير أسماء الله -سبحانه وتعالى-، ولا تجوزونه في أسماء الله -سبحانه وتعالى- أو في بعض الأمور المغيبة؟ رغم أن هذه الأمور كلها -ونحن نقول: بالمجاز العقلي- وعقلاً أن الله -سبحانه وتعالى- ليس له يدان، وعقلاً أن الله -عز وجل- ليس له بصر فأنتم تشبهونه بالمخلوقات؟.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015