هذا الأمر عند رأي الجمهور بشكل عام، طائفة من اللغويين ذهبوا إلى أن المجاز هو أكثر اللغة على عكس ما هو الراجح، قالوا: إن أكثر كلام العرب مجاز، وحمل هذا الرأي ابن جني اللغوي المعروف من القدماء، ومن المعاصرين الأديب مصطفى صادق الرافعي، ومن أمثلتهم يقولون: عندما تقول: ضربت زيدًا أنت لم تضربه كله، وإنما ضرت رأسه أو خده أو جزءًا منه أو يده أو كتفه فهذا على سبيل التجويز، لكن هذا فيه تمحل، وتقول: مشيت على الأرض لا .. أنت لم تمشي على الأرض كلها وإنما على جزء صغير منها، فالحاصل أن هؤلاء بالغوا، وأولئك بالغوا والحق الوسط، والحق هو التوسط بينهما.

شيخ الإسلام -رحمه الله- حقيقة القول عنه في مسألة المجاز مضطرب أو هو -رحمه الله- قال به في فترة من حياته ثم رجع عنه وعدل عن القول به نظرًا لاستفحال أمر المعطلة والمؤولة الذين دخلوا من باب المجاز على آيات الصفات وأولوها، وعطلوا ما لله -عز وجل- من صفات الكمال والجلال التي أثبتها لنفسه في صريح كتابه، وفي صحيح سنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وحمل رأيه هذا تلميذه ابن قيم الجوزية في كتابه "الصواعق المرسلة في الرد على المعطلة والجهمية"، وشيخ الإسلام من أوسع من أدار البحث في الموضوع -شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه "الإيمان" فطول في هذا الكلام وأفاض فيه، لكنه أيضًا ورد عنه ما يثبت القول به، أو ما يفيد أنه أيضًا قد قال به، بدليل أنه تأول بعض الآيات باسم المجاز، وإن لم ينص على اسمه لكنه نص على أثره وعلى حقيقته.

فمثلاً عن كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- في بعض الكلام ننقله عنه لنثبت بهذا أن الشيخ -رحمه الله- قد قال به من حيث الأثر، من حيث النتيجة، وإن لم ينص عليه فمثلاً قوله في حديثه عن قوله -جل وعز-: ? رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ? [الرعد: 36] قال: فنسب الإضلال إليهن، والإضلال هو ضرر لمن أضللنه وهذا كما يقال للمحبوب المعشوق الذي تضر محبته وعشقه: إنه عذب هذا وأهلكه، وأفسده وقتله وعثره وإن كان ذلك المحبوب قد لا يكون شاعرًا بحال هذا البتة.

وفسر أيضًا شيخ الإسلام حديث التنافس في الدنيا والتحذير منه المشهور في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (فتهلككم كما أهلكتهم) قائلاً: فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة لهم، وذلك سبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها وإن كان مفعولاً بها، لا اختيار لها، انتهى كلامه.

هذا ما يسميه البلغاء المجاز العقلي الذي يُسند فيه الفعل إلى غير ما هو له، والعلاقة هنا السببية.

وكذلك أول آيات في "الفتاوى" في الجزء الخامس عشر صفحة مائتين وثلاثة وسبعين، ومائتين وأربعة وسبعين، وذكر أيضًا أمثلة أخرى في الجزء الثامن في "الفتاوى" صفحة خمسمائة وإحدى عشر وغير ذلك من كلامه -رحمه الله- في هذه المسألة.

فالكلام في هذا هو أن شيخ الإسلام وأمثاله إنما أرادوا أن يحموا جناب التوحيد بالذات مسألة الإيمان بالأسماء والصفات، هذا في وقت لم يستقر فيه القول بالمجاز، ولم تنضبط قواعده، لكننا نقول: إن مسألة الصفات وما تعلق بها: أصلاً القول فيها لا ينطبق عليها شرط المجاز، بمعنى: أن الأصل في ألفاظها هي الحقائق، الأصل في ألفاظ الأسماء والصفات هي الحقائق، لماذا؟ لأنه لا توجد قرينة تصرف مراد اللفظ في حق الأسماء والصفات عن حقيقته فالأصل الحقيقة، فالبلغاء أنفسهم متفقون على أنه لا يُقال بالمجاز إلا إذا وجدت قرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، فإذا عدمت هذه القرينة لا يقال إن في الكلام مجازًا، وهو متفقون على هذا، اتفاقهم على هذا ظاهر وشيخ الإسلام نفسه أيضًا نصَّ على مثل هذا الكلام.

ففقدان القرينة التي تصرف المعنى عن أصله يجعل الكلام في الأسماء والصفات هو على أصله وهو أنه حقيقة، وبذلك إذا تدبرنا هذا الكلام تبين لنا أن الأسماء والصفات وأن أيضًا أمور المغيبات كحقيقة الجنة والنار, وكحقيقة القبر وعذابه والساعة وأهوالها كل ذلك الألفاظ الجارية فيها في نصوص صريح الكتاب وصحيح السنة تحمل على أصلها -الحقائق-، ولا معدل ولا موجب لحملها على المجاز لأنه لا توجد قرينة لأن الأمور غيبية.

.. الأمور الغيبية التي ليست ظاهرة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015