من أوائل أيضًا من نص على هذا وبدأ يعالجه بوصفه مصطلحًا علميًا بلاغيًا الشيخ السني أو الكاتب السني الأديب المعروف ابن قتيبة المتوفى سنة مائتين وست وسبعين للهجرة -رحمه الله- في كتابه "تأويل مشكل القرآن الكريم" فقد ذكر ذلك ونص عليه وعالج ورد على من قال بإنكاره في كتابه هذا، وعندما انتصر للمجاز وقال: إنه أسلوب من أساليب العرب تعبر به عن المعاني، وأن الأمم التي قبلها ما أتيت إلا من جهلها بمثل هذا، إلا من جهلها بالمجاز وبأساليبه، قال ابن قتيبة مثلاً: وقد تبين لمن عرف اللغة أن القول يقع فيه المجاز، ثم رد على من قال هذا قال: لو أن من أنكروا المجاز وشبهتهم أنه يقال إنه ضرب من الكذب، لأنك إذا أسندت إلى الشيء ولم يقله مثلاً كنت كاذبًا قال: لو فعل بعملهم هذا أو أخذ بقولهم هذا لكان أكثر كلامنا كذبًا، مثل على هذا قال: فإنهم زعموا أنه كذب؛ لأن الجدار مثلاً في قوله -جل وعز-: ? جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَنْقَضَّ ? [الكهف: 77] لا يريد، والقرية لا تُسأل في قوله -جل وعز-: ? وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ? [يوسف: 82] قال: وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم ولو كان المجاز كذبًا وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً كان أكثر كلامنا فاسدًا، لأننا نقول: نبت البقل وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن .. إنما كون، والله تعالى يقول: ? فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ ? [محمد: 21] والأمر لا يعزم وإنما يُعزم عليه، ويقول -جل وعز-: ? فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ? [البقرة: 16] والتجارة لا تربح وإنما يُربح فيها وهكذا، هذه المسائل يقول: إنها على سبيل التجوز.

الحقيقة العلماء كما ذكرت انقسموا إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: من قال بإنكاره أصلاً -في اللغة والقرآن-، ومن أوائل من ذهب إلى هذا أو من عرف عنه ذلك أبو إسحاق الإسفراييني المتوفى سنة ثماني عشرة وأربعمائة هجرية، هو ذكر هذا السيوطي في "الإتقان" وأيضًا ذهب أبو إسحاق في قول هذا إلى إنكار أن يكون المجاز واقعًا في اللغة في لغة العرب أو في القرآن الكريم وحمل هذا في بعض أحوال مقالاته شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه أيضًا ابن القيم في هذه المسألة وذلك لغرض عقدي وهو الرد على من قال بنفي الصفات، وسنأتي إلى هذا، هذا قول.

القول الثاني: فريق آخر وقال: إنه موجود في اللغة لكنه منفي وقوعه في القرآن، وهذا القول ينسب إلى داود الظاهري المتوفى سنة سبعين ومائتين للهجرة، وابنه أيضًا محمد وأخذ بهذا القول أيضًا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- المتوفى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف هجرية.

القول الثالث: هو قول الجمهور، سواءً كان جمهور الأصوليين وجمهور البلاغيين، أكثرهم أو معظمهم يقول به؛ لأن عملهم عليه، ومن ذلك والذي ذكر أيضًا ذلك ونص عليه ابن قدامة -رحمه الله- صاحب اللمعة "لمعة الاعتقاد" فقال: والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز ومن منع فقد كابر، يقول: من منع ذلك فقد كابر.

والزركشي أيضًا في "البرهان" قال: وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن، والجمهور على الوقوع ولو أسقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، وهذه العبارة استعارها الزركشي من ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن.

والسيوطي أيضًا ذكر ذلك، قالوا: فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، في المقامات التي يمكن أن يعبر فيها عن شيء بالمجاز والحقيقة، فالمجاز عندئذ يكون أبلغ من ذلك، الشوكاني -رحمه الله- أيضًا شدد في هذا، شدد على المنكرين في المجاز وقال بأنهم قليلو الاطلاع، مفرطون فيما ينبغي الوقوف عليه، وقال: المجاز واقع في لغة العرب عند الجمهور أو عند جمهور أهل العلم، ووقوعه وكثرته في اللغة العربية أشهر من نار على علم، وأوضح من شمس النهار، وكما أنه واقع في اللغة العربية فهو أيضًا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعًا كثيرًا، وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك، وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعًا كثيرًا فهو أيضًا واقع في السنة وقوعًا كثيرًا والإنكار لهذا النوع مباهتة لا تستحق المجاوبة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015