لقد حثت المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) أمم الأرض قاطبة، وطبقاً لتقارير أعدها خبراؤها، لأن تدرس كل منها العلم بلغتها لأبنائها، إذا كانت تريد أن تشارك في تكوين العلماء وإفرازهم، ذلك أن أقصى ما تصل إليه الأمم المستعيرة للغة ما في العملية التعليمية. أن تستوعب بعض ذوي الاختصاص منها بعضاً مما وصل إليه أهل الفهم من الأمم الأخرى صاحبة السبق، التي خاض كل منها معركة العلم بأقوى سلاح لديها، وهي لغتها القومية. هذه الفقرة أوردها الدكتور محمود عز الدين قاسم مدرس الجراحة في كلية طب القاهرة، في رسالة غنية، لا يتسع المقام لنشر نصها، ومن الملاحظات والأفكار المهمة التي تضمنتها ما يلي:
gإن مؤلف كتاب \"الإسلام الحربي\" - العلم الإنجليزي ج. جانسن - تحدث عن أهمية دور الفصل الدراسي في تمتين وثبات الشخصية العربية، وقال إن الدراسات التي أجراها الإنجليز والفرنسيون في بداية القرن حول هذا الموضوع لاحظت أن تعليم الطفل العربي له دور في تعزيز تماسكه وصلابته في طفولته المبكرة، قبل سن الخامسة، كأن يتعلم (في الكتاتيب التي سخر منها أصحابنا!) القراءة والكتابة ويختم حفظ القرآن، الذي يحتوي على أهم وأوضح التراكيب اللغوية، فيتقنها ولم يزد عمره على السادسة، ثم يستكمل إتقانه للغة فيما بعد لدى تعلمه قواعد نحوها وصرفها وترسخها في ذهنه بحفظ ألفية ابن مالك، وبذلك يتفوق الطفل العربي على غيره بعد ذلك التأسيس، الذي ينطلق بعده لينهل من بحور العلم، فيكون له شأن آخر - لذلك - أضاف الدكتور محمود قاسم - فمن أهم ما عنى به الاستعمار الإنجليزي والفرنسي - لتثبيت أقدامهما - هو تفكيكه المنظمة التعليمية في العالم العربي والإسلامي.
gبالتجربة العملية ثبت أن دارسي التخصصات الدقيقة في الطب والهندسة والتطبيقات مثلاً ينفقون جزءاً كبيراً من وقتهم في استيعاب اللغة الثانية (الإنجليزية)، بحيث يذهب جزء كبير من وقتهم وجهدهم في محاولة استيعاب ما يقرؤون، وكثيراً ما يسيئون فهم المعلومات، وهو ما يجعل أكثر من نصف الخريجين محدودي المستوى في تحمل المعلومات. والوقت الذي يقضيه الطالب أو الباحث في قراءة كتاب بلغة أجنبية، يستثمره أقرانه من الدارسين بلغاتهم القومية في قراءة كتابين أو ثلاثة.
gفي مصر، أنشئت حديثاً كلية الزراعة الدولية، وقبلت خريجي المدارس الإنجليزية وحدهم، وتم تدريس المقرر العادي لهم ولكن باللغة الإنجليزية - ولكن التجربة فشلت فشلاً ذريعاً؛ لأن نسبة النجاح بين طلاب الصف الأول في نهاية العام لم تتجاوز 8% والحاصل في كلية الزراعة ليس أسوأ مما حدث في الكليات الجامعية الأخرى التي بدأت تدريس مناهجها لبعض الطلاب بالإنجليزية.
gإن حرص الدول على التعليم بلغاتها القومية أصبح الآن أصلاً ثابتاً ومستقراً حتى إن الولايات المتحدة التي تملك 142 كلية طبية تعلم سكان بورتوريكو بالأسبانية لأنها لغتهم الأصلية. وهو ما فعله الاتحاد السوفيتي (سابقاً) الذي كانت لغته الروسية، ولكنه علم أبناء جمهورياته الإسلامية وغيرها بلغاتهم المحلية. وهو الحاصل في الصين أيضاً، وفي كندا الخاضعة للتاج البريطاني، تدرس مناهج التعليم في إقليم كويبك الناطق بالفرنسية؛ لأنها لغة سكان ذلك الإقليم.
في صيف عام 97 عقدت في العاصمة المغربية الرباط مائدة مستديرة شارك فيها عدد من الخبراء لمناقشة مسؤولية الإعلام في تشويه اللغة العربية. وانطلقت ورقة الندوة من التسليم بأن للإعلام إسهاماً غير قليل في إحداث ذلك التشويه، ومن ثم كان السؤال الجوهري المطروح للمناقشة هو: كيف يقوم الإعلام بدوره المسؤول في الحفاظ على اللغة الوطنية وليس في العدوان عليها وتشويهها.
في المشرق، وفي مصر خاصة، نحن بحاجة إلى الانتباه إلى ذلك البعد، والاعتراف بأن الإعلام يرتكب هنا الخطيئة، وأزعم أنها خطيئة مزدوجة لا يمارس فيها العدوان والتشويه بحق اللغة العربية فحسب، ولكنه يمارس بحق اللغة العامية أيضاً. فالأولى تهان والثانية تبتذل، حتى أنها كثيراً ما تجنح إلى السوقية والإسفاف، متجاوزة العامية والراقية والمحترمة.
¥