على صعيد آخر، فقد اتصل بي بعض المثقفين الغيورين على الهوية العربية، الذين استفزهم العدوان الواقع عليها، وأبدوا رغبة في رفع قضية \"حسبة\" يطالبون فيها بتنفيذ القرار الجمهوري الصادر في مصر عام 1958، الذي يوجب استعمال اللغة العربية في المكاتبات واللافتات، ولأن الجوانب القانونية للقضية تحتاج إلى دراسة، خصوصاً بعدما أعيد تنظيم قضايا الحسبة، بحيث لم يعد ممكناً رفعها إلا في حالات الضرر المباشر، فقد اقترحت عليهم أن يدرسوا الأمر مع المحامين المختصين، للاتفاق على التكييف القانوني للمسألة قبل اللجوء إلى القضاء.
عندما تراكمت هذه الأصداء والتصورات لم يعد هناك مفر من العودة إلى الموضوع مرة ثانية، لإعادة دق الأجراس والإبقاء على ملف الأزمة مفتوحاً.
ليس مفهوماً ذلك السكوت على مهانة اللغة القومية في المدارس الخاصة على النحو الحاصل الآن؟ ولماذا لا يكون هناك قرار حاسم بأن يكون التدريس في مراحل التعليم باللغة العربية، وأن تعامل الإنجليزية كلغة أجنبية أو لغة ثانية. ذلك أن هناك فرقاً جوهرياً بين دراسة الإنجليزية وغيرها كلغة وبين دراسة المناهج المختلفة بالإنجليزية بديلاً عن العربية. والأولى مطلوبة ومهمة لا ريب، أما الثانية فهي المحظور الذي ندعو إلى عدم الوقوع فيه، لضرره المحقق بإدراك الطفل وشخصيته.
لقد عبر الآباء والأمهات الذين كتبوا إلىَّ عن حيرتهم البالغة وقلقهم على أبنائهم، فثقتهم ضعيفة أو معدومة في مدارس التعليم العام. وفي نفس الوقت فإنهم ليسوا سعداء بما يتلقه أيناؤهم وبناتهم في المدارس الخاصة. أفاض في هذا الجانب رجل الأعمال الدكتور ممدوح قمحاوي الذي قال: إن التلميذ في المدارس الحكومية لا يتعلم شيئاً، ولكنه في المدارس الخاصة \"قد\" يتعلم لكنه يخسر نفسه في النهاية لقاء ذلك!
أدري أن مهانة اللغة ليست في المدارس الخاصة وحدها، ولكن المدارس الحكومية كانت \"رائدة\" في ذلك للأسف خصوصاً حين خفضت الدرجات المرصودة للعربية إلى النصف. كذلك فإن المدارس الخاصة ما كان لها أن تذهب إلى ما ذهبت إليه إلا إذا كانت أيضاً تلبي رغبة أو نزوة اجتاحت المجتمع، وأصابته بلوثة الرطانة الإنجليزية.
والأمر كذلك فيما يحدث في المدارس الخاصة يعد مسلكاً متطرفاً يعكس الحاصل في المجتمع بأسره، وهو من عموم البلوى في كل الأحوال. لذلك فلسنا نطمع في رفع البلاء ورد القضاء - إذا كان قضاء بحق - ولكننا فقط ندعو إلى اللطف فيه، على الأقل عن طريق وقف تلك الحرب المعلنة على اللغة العربية في البيت بعد المدرسة!
المسؤول المباشر عن التعامل مع الملف على هذا المستوى هو وزارة التربية والتعليم. وليس عندي تفسيراً لتراخيها في الدفاع عن اللغة الوطنية، بينما نجدها تذهب بعيداً في التحوط لمكافحة ما تعتبره مظاهر للتطرف. الأمر الذي يوحي بأن انشغالها بالتكوين الثقافي للأجيال الجديدة. وقد كان مثيراً للدهشة في هذا الصدد أنه حينما دعت الدكتورة نعمات فؤاد إلى تدخل المجتمع وتحركه للدفاع عن لغته، عن طريق إعادة فتح \"الكتاتيب\" التي كان لها الفضل في ضبط اللسان العربي والتمكين للغة الوطنية في المجتمع المصري منذ قرون، عن طريق تحفيظ القرآن الكريم للأطفال في سن الحضانة وقبل الانخراط في سلم التعليم.
حينما فعلت أستاذتنا ذلك انبرى لها البعض محاولين تسفيه الكلام والسخرية، منه في الأغلب لدوافع مشكوك في براءتها. وقد خلط الناقدون بين الفكرة وهي جيدة ولها إيجابيات كثيرة وبين أسلوب تنفيذها الذي هو بحاجة للتطوير. ونسوا أن الأسلوب كان ابن زمانه، وأن القسوة في التعليم والتحفيظ لم تكن مقصورة على الكتاتيب وحدها، وإنما كانت أسلوباً شائعاً في كافة مدارس ذلك الزمان. أما الذين مطوا شفاههم ولووا أعناقهم لمجرد سماعهم اسم \"الكتاتيب\" وفضلوا \"الكندر جاردن\" هؤلاء لا أعرف عمن يعبرون في المجتمع، وأزعم أنَّ ما لديهم ليس منطقاً أو حجة، وإنما هي \"حساسية\" سمع ليس الحوار أفضل وسيلة لعلاجها.
¥