دعت مديرة المدرسة الخاصة بالإسكندرية أولياء الأمور إلى الاجتماع، وطلبت منهم منع أطفالهم من الحديث باللغة العربية في البيت، ومعاقبتهم عن طريق الحرمان من المصروف إذا وقعوا في المحظور ونطقوا بغير الإنجليزية.
لولا إنني سمعت القصة بأذني من قريبة لي لما صدقتها، ولست أخفي أنني من فرط الدهشة ما زلت رافضاً لتصديقها، وغير قادر على استيعاب التفاصيل التي سمعتها. ومنها مثلاً أن هذه المدرسة الابتدائية تتقاضى لقاء قطع اللسان العربي أربعة آلاف دولار في الفصل الدراسي الواحد (ما يعادل 14 ألف جنية). وإنها لكي تحقق هذا الهدف على اكمل وجه، لم تكتف بالتدريس طوال اليوم باللغة الإنجليزية، وإنما أيضاً بثت عيوناً بين التلاميذ في فترات الراحة (الفسحة) لمراقبة التزامهم بمخاصمة الحرف العربي، والتبليغ عن كل من سولت له نفسه أن يتحدث بلغة بلده!
قريبتي سألت مديرة المدرسة ببراءة: إذا لم يتحدث الأولاد والبنات باللغة العربية في المدرسة، ومنعناهم وعاقبناهم إن هم تحدثوا بها في البيت، فأين يتعلمونها إذن؟ كان رد المديرة أن تعليمهم الإنجليزية هو الأهم، وأن ملاحقة التلاميذ على هذا النحو هو الوسيلة الوحيدة لتمكينهم منها في مبتدأ حياتهم، أما اللغة العربية فالمفترض أن يعرفونها أصلاً. ولما كان ذلك هو موقف المدرسة وقرار إدارتها، فلم يكن خيار أمام من لا يعجبه هذا الأسلوب إلا أن يخرج ابنه أو ابنته منها، وهو ما فعلته قريبتي!
كنت قد قرأت ذات مرة مقالاً حول الموضوع للزميلة الأستاذة صافيناز كاظم، روت في مستهله قصة واحد من رجالات الانفتاح فيما يبدو، ذهب إلى مدير إحدى المدارس الخاصة مصطحباً ابنه الصغير وقال له: علمه إنجليزي أو فرنسي أو طلياني، علمه أي لغة، لكن لا تعلمه شيئاً بالعربية! آنذاك اعتبرت القصة \"نكتة\" أردات بها زميلتنا أن تسخر من الذين أصابتهم اللوثة المبتدعة، فارتموا على كل ما هو غربي بما في ذلك لغاتهم، وذهبوا في انخلاعهم من هويتهم إلى حد مخاصمة اللغة العربية.
حين سمعت قصة مدرسة الإسكندرية، استعدت على الفور ما كتبته زميلتنا صافيناز، فاتصلت هاتفياً بها وسألتها عما إذا كان الذي أشارت إليه كان قصة حقيقية أم \"نكتة\" فكان ردها أن الأمر لم يكن أكثر من سخرية سجلها أحد رسامي الكاريكاتير فاستخدمتها في مقالها. عندئذ قلت إن الذي كان نكتة بالأمس، تحول إلى حقيقة أشد مرارة اليوم - كما في النكتة - ولكنه بلغ حد معاقبة من ينطق بها من التلاميذ، حتى في بيته، كما دلت الحقيقة: (هذه هي الحقيقة التي يقال إنها أغرب من الخيال؟)
لقد كتبت في موضوع أزمة اللغة العربية في بلادها منذ ثلاثة أسابيع منبهاً أنها من علامات انكسار الأمة، واستشهدت في ذلك بمقولة بليغة لابن حزم نبه فيها إلى أن اللغة يسقط أكثرها بسقوط همة أهلها - الأمر الذي يعني أن محنتنا - في عمقها - ليست في عثرات اللسان، وإنما هي في اعوجاج عموم الحال. قلت أيضاً إن الدفاع عن اللغة الوطنية هو دفاع عن الذات، وأن احترامها هو احترام للذات، وانتهاك حرمتها من أعمال احتقار الذات.
جلب إلىَّ هذا المقال ردوداً متعددة، جاءت احتجاجية في أغلبها. بعض أولياء الأمور بعثوا يشكون من المدى الذي بلغه الازدراء باللغة العربية في المدارس الخاصة ونفر من أساتذة الجامعات كتبوا عن أزمة الأجيال الجديدة التي تدرس بالإنجليزية ويقل استيعابها من جراء ذلك.
ولما وجدت الشكاوى تنهال علىَّ من كل صوب، شجعني ذلك على أن أسجل شكوى ضد وسائل الإعلام العربية، وفي مقدمتها الصحافة، التي أصبحت تشارك في العدوان على اللغة العربية بشكل يومي.
بينما الرسائل تتوالى، قرأت في \"أهرام الجمعة\" (20/ 8) خبراً نشر على الصفحة الأولى، يقول إن التلفزيون الفرنسي سوف يبث حلقات مسلسل جديد تحت عنوان: \"عندما كان العالم يتحدث العربية\" وأن إعداد تلك الحلقات كان ثمرة تعاون بين التلفزيون الفرنسي ومجلس السفراء العرب في باريس، ومنظمة اليونسكو.
ما إن قرأت الخبر حتى انتابني شعور اختلط فيه الترحيب بالأسف، وقلت: ليت المسلسل يذاع في بلادنا، حتى يستعيد أهلنا ثقتهم بأنفسهم واعتزازهم بحضارتهم، واحترامهم للغتهم التي كانت أداة التعبير عن تلك الحضارة العظيمة.
¥