ولكن الطاهر قال به في غير هذا الموضع ([37] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn37))، ولعل مرادهما منه حين أثبتاه، أن المبالغة حصلت مما أفاده نفي القيد مع انتفاء الأصل على اعتبار لزومه له، فصار كأنه نفيٌ مع البرهان، وهذا الوجه أظهر ما يكون في نفي الشيء بنفي ملزومه.
الثامن: قال البقاعي "ولعل حكمة التعبير بصيغة المبالغة، الإشارة إلى أنه لو تَرك الحُكْم، والأخذ للمظلوم من الظالم، لكان بليغ الظلم، من جهة ترك الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها، ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه، ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء، وذلك أشدُّ في تهديد الظالم، لأن الحكيم لا يخالف الحكمة، فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها" ([38] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn38)). لكن هذا الوجه فيه شَبَهٌ من قول المعتزلة بإيجاب الثواب والعقاب على الله تعالى اللهُ عن ذلك علواً كبيراً.
وقد ذكر الطاهر وجهاً هو التاسع في المسألة وهو أن الظلم من حيث هو ظلم أمر شديد، فصيغت له زنة المبالغة، وكذلك التُزمت في ذكره حيثما وقع في القرآن اه. ([39] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn39)) ومطلق الظلم لم يقتصر على زنة المبالغة، بل جاء على اسم الفاعل (ظالم) ومثلُ هذا لا يخفى على الطاهر، وعليه فلا نشك أنه أراد الظلم المنفي عن الله، وأنه لم يَرِد إلاّ هكذا، فيلحق هذا الوجه بالإشارة إلى شدة العذاب من جهة، وبالتناسب مع الملك والقهر من جهةٍ أخرى.
وهذه التوجيهات لا تستلزم الترجيح بينها، لأن النكات لا تتزاحم، لكنها تتفاوت قوةً واطراداً في القيد غيرِ المخصص، ولعله يغلبُ اطراد نكتتين منها في كثيرٍ من الشواهد:
الأولى: وضع القيد موضع اللازم للمقيد، حتى إن انتفاء القيد يستلزم انتفاء المقيد، وثبوته يستلزم ثبوته، وعلى هذا جعلُ الظلم متناسباً مع الملك قوةً وضعفاً، أو التكثير لأجل العبيد، أو أن جواز قليله مستلزم لبلوغ غايته فنفي الكثير مقتضٍ نفي أصله، فكلُّ هذا يجعل القيد لازماً للمقيد نفياً وإثباتاً، أو غالباً بحيث لا يُتصور بدونه فلذلك يُنزل منزلة اللازم.
الثانية: التعريض بمعنى غيرِ مصرّحٍ به، كالتعريض بما يقابله من الإثبات، وهو هنا تعريضٌ بشدة العذاب الذي لولا استحقاقه لكان إيقاعه غايةً في الظلم، وكذلك التعريض بمبالغة هذا المعذّب في الإساءة حتى أوهم جزاؤُه غايةَ الظلم.
وقد يكون التعريض بالمخاطب وهو ما يخرجه بعض المفسرين على اعتبار واقع المخاطب حال الخطاب، تشنيعاً لما كان منه، أو لما قد يقع، أو لخصوص الواقعة التي نزلت لأجلها الآية، ومجيء هذا في النهي كثيرٌ.
وهاتان النكتتان تتكرران مع القيد غيرِ المخصص، وقد تكون دلالة القيد في سياقٍ على واحدةٍ منهما فقط، كما أنه قد ترد معهما نكاتٌ أخرى، يحملها السياق كما مرّ في هذا الشاهد.
ومما نفي على المبالغة مع انتفاء أصله عن الله عز وجل: النسيان، يقول تعالى) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (([40] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn40))
جمهور المفسرين ([41] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn41)) على أن سبب نزول الآية هو ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r لجبريل: ما يمنعك أنتزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ (([42] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn42)).
يقول الطاهر " (نسيا) صيغة مبالغة من نَسِيَ، أي كثير النسيان أو شديده، وقد فسروه هنا بتارك، أي ما كان ربك تاركاً".
وقد وجّه البقاعي ([43] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn43)) المبالغة هنا ثلاثة توجيهات:
أولها: أن معناه أي ذا نسيان لشيء من الأشياء.
¥