والثاني: أنه إنما جيء بالمبالغة، لأن العذاب من العِظَم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذِبُ بمثله ظلاّماً، بليغ الظلم متفاقمه، وهذا القول نقله عنه الخويى وأوضحه بمزيد تفصيل لما اقتضاه سياق آية (ق) فقال "كأنه تعالى يقول: لو ظلمتُ عبدي الضعيف، الذي هو محل الرحمة، لكان ذلك غاية الظلم، وما أنا بذلك. فيلزم من نفي كونه ظلاّماً نفي كونه ظالماً، ويحقق هذا الوجه، إظهارُ لفظ العبيد، حيث يقول ما أنا بظلام للعبيد. أي في ذلك اليوم الذي امتلأت جهنم، مع سعتها، حتى تصيح وتقول: لم يبق لي طاقة بهم، ولم يبق فيّ موضع لهم، فهل من مزيد؟ استفهام استكثار، فذلك اليوم مع أني ألقي فيها عددا لا حصر له، لا أكون بسبب كثرة التعذيب، كثير الظلم، وهذا مناسبٌ، وذلك لأنه تعالى خصص النفي بالزمان، حيث قال: ما أنا بظلام يوم نقول ... أي: وما أنا بظلام في جميع الأزمان أيضاً. وخصص بالعبيد حيث قال: وما أنا بظلام للعبيد. ولم يطلق فكذلك خصص النفي بنوع من أنواع الظلم، ولم يطلق، فلم يلزم منه أن يكون ظالماً في غير ذلك الوقت، وفي حق غير العبيد، وإن خصص، والفائدة في التخصيص، أنه أقرب إلى التصديق من التعميم" ([13] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn13)).
ويضيف الآلوسي فائدةً في هذا الوجه، وهي أن هذا العذاب- الذي هو غاية الظلم إذا لم يتعلق بمستحقه- إذا صدر ممن هو أعدل العادلين، دلَّ على أنه استحق أشد العذاب؛ لأنه أشد المسيئين. قال في الكشف ([14] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn14)): وهذا أوفق للطائف. اه. ([15] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn15)) فهو إشارةٌ بنفي المبالغة في الظلم- التي تناسب المبالغة في العذاب- إلى المبالغة في الإساءة، التي لأجلها كان استحقاقه لشدة العذاب غايةً في العدل والحكمة منه سبحانه.
وهذا الوجه استحسنه الشنقيطي، إذ المراد أن هذا العذاب فظيع هائل، لا يُقادر قدره، فلو وقع منه تعالى ظلماً، لكان مبالِغاً في غاية الظلم مبالَغةً عظيمة. ([16] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn16))
ويستدل الآلوسي ([17] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn17)) لهذا الوجه بالعطف قبله، ودخول) وَأَنّ اللهَ لَيسَ بِظَلاّمٍ لِلعَبِيدِ (تحت حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث أن نفي الظلم، يستلزم العدل المقتضى إثابة المحسن ومعاقبة المسيء ([18] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn18))، قال: وإليه ذهب الفحول من المفسرين. وتعقبه مولانا شيخ الإسلام ([19] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn19)) بأن ترك تعذيب مَن يستحق العذاب، ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً، حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب. اه.
وللخويى في المسألة وجهٌ ثالث، وهو أن "الظلام بمعنى الظالم، كالتمار بمعنى التامر، وحينئذ تكون اللام في قوله للعبيد لتحقيق النسبة، لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم" ([20] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn20)). وهذا الوجه ثلَّث به ابنُ المنير وجهي الآية عند الزمخشري ([21] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn21))، وذكره الحلبي فجعل الصيغة للنسب لا للمبالغة، كبزّار وعطّار وهو أحسن الأقوال عنده في المسألة ([22] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn22)).
وعليه اعتمد البقاعي في أكثر من موضع ([23] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn23))، وجعله الأصل في رفع ما يتوهم من إشكال في الآية، مع أنه لم يستبعد غيره من النكات المتقدمة، يقول بعد أن ذكر إحدى النكات في الآية " ... هذا مع أن التعبير بها لا يضر، لأنها موضوعةٌ أيضاً للنسبة إلى أصل المعنى مطلقاً، ولأن نفي مطلق الظلم مصرحٌ به في آيات أخرى" ([24] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn24)).
ومن هذا الوجه قول امرئ القيس ([25] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn25)):
¥