وإذا ما تأملنا الآيات السابقة متصلةً بسياقها القرآني، نجدها تتفق جميعاً في أنها جاءت عقب ذكر العذاب، أو التهديد به. فآية آل عمران جاءت تعقيباً على التهديد الذي ذُيلت به مقالة اليهود الشنعاء في حق الله تعالى) لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (وآية الأنفال جاءت عقب تهديد الكفار- حال احتضارهم- بما ينتظرهم من عذاب الحريق) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (وبقية الآيات كذلك، إلاّ آية فُصِّلت، فإنها جاءت في سياق تحميل العباد تبعات أعمالهم، وثمرات سعيهم خيراً أو شراً، فالسياقات متشابهةٌ بالعموم، متفقةٌ من جهات كان عليها مدار كلام المفسرين، حتى إنهم لربما لم يتكلموا في المسألة إلاّ في أحد المواضع واختصروه أو تجاوزوه في غيره، على أن تفصيل المقام قد يختلف، كما يتبين في كلام بعضهم لكنه اختلاف لا ينبني عليه كبير فرق فيما ذكروه من توجيهات والله أعلم.
والذي يُستشكل ظاهره في الآية هو أن "الظلاّم مبالغةٌ في الظالم، ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم، فإذا قال القائل هو كذّاب يلزم أن يكون كاذباً كَثُر كذبه، ولا يلزم من نفيه نفيُ أصل الكذب، لجواز أن يقال فلانٌ ليس بكذّاب كثيرِ الكذب؛ لكنه يكذب أحياناً، ففي قوله تعالى) وما أنا بظلاّم (لا يفهم منه نفي أصل الظلم فما الوجه فيه؟ " ([5] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn5)).
أو كما يقول ابن المنير "نفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، فلم عُدل عن الأبلغ والمراد تنزيه الله تعالى، وهو جدير بالمبالغة" ([6] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn6))، وعبارة الحلبي "لا يلزم منه نفيُ أصل الظلم، فإن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم" ([7] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn7)).
وعلى أن الطاهر ذكر بعض النكات في الآية، إلاّ أنه يستبعد الإشكال بقوله "ونفي ظلاّم – بصيغة المبالغة – لا يفيد إثبات ظُلمٍ غير قوي؛ لأن الصيغ لا مفاهيم لها، وجرت عادة العلماء أن يجيبوا ... " ([8] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn8)) ولكنه في موضع آخر يُصرح أن ظاهر الآية يوهم ما استُشكل، يقول " ... وليس هو مثل قوله تعالى) وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (الموهم أن نفي قوّةِ الظلم لا يقتضي نفي قليل الظلم" ([9] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn9)).
وحتى لو لم يفد السياق إثبات ظلم غير قوي، فإنه لا يُعدل عن نفي ما يستغرق كل أنواع الظلم إلى ما يَسكت عن بعضها؛ إلاّ لنكتة، بل نكات وأسرار، يفيض بها هذا السياق المحكم.
وقد أجاب الزمخشري ([10] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn10)) عن هذا الإشكال بجوابين:
الأول: أنها للتكثير لأجل العبيد، من قولك هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده. واختار هذا الوجه البيضاوي ولم يذكر غيره، وذكره كثيرٌ من العلماء وجهاً فيها. واستحسنه هو والذي يليه ابنُ المنير، وبه بدأ أبو حيان ونقله عنه الحلبي ([11] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn11)).
ولعل من قبيل هذا التوجيه قول امرئ القيس ([12] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&p=355852#_ftn12)):
وقد عَلِمتْ سلمى وإن كان بعلَها بأنَّ الفتى يهذِي وليس بفعّالِ
فإنه كثّر الفعل، ليناسب كثرة كلامه، وأنه يقول ما مقتضاه كثرة الفعل وتكراره، ولكنه لا يفعل، ولو حمل على نفي المبالغة دون الفعل، لذهب لذع التهكم منه.
¥