فما تراه (في الجملة) من الأصول في تاج العروس تراه في المعجم الوسيط، وتراه في العين والتهذيب والمحيط والصحاح والبارع والمخصص واللسان والقاموس والمصباح.
والأمر الذي أريد أن نستجليه هنا في هذه المحاورة هو أن هذا (المتن) انبنى بأصوات كلام العرب، التي سلفت، وأن تلك الأصوات المؤلفة في كلمات كانت مفصلة على أسس رفيعة من الحكمة والانسجام والتناظر والقياس، الذي يحكم أبوابها وفصولها وتقاليبها ومقاييسها وحروفها ودلالاتها، حكمة تدخل إلى العقل الريب في أنه من اصطلاح بشر.
وخلاصة هذا البحث أمران:
- أن لأصول الكلمة دلالةً عامة تسري في معاني تصاريفها.
- أن للكلمات التي تماثل حرفان من أصولها فأكثر = دلالة عامة تسري في معاني جذورها.
...
وأستميحكم عذراً بسرد هذه الأمور التي هي تقدمة للفكرة:
أول معجم حاول جمع أبنية العربية هو معجم العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد (-175).
ولا نزاع في أن الخليل كان سبب وضع أصل هذا الكتاب وراسم خطة أبوابه (منهجه)، أما حشوه (تتميمه) فمن صنع تلميذه الليث بن المظفر (-180) وغيره من العلماء.
اختار - أو اقترح - الخليل للمعجم أن يبنى على أمرين، وفق فيهما كل التوفيق (مقدمة العين):
1) أن ترتب حروفه على ترتيبها الصوتي بدءاً من الجوف وانتهاءً بالشفتين والخيشوم.
2) أن يركب من هذه الحروف كلمات، تقلب أصولها الستة وما يتصرف منها، حتى يأتي على كل الأصول، دالة في تقاليبها الستة على مدلول واحد عامّ.
فمثلاً (سلم) تُقلب إلى: سمل، ملم، ملس، ملل، لمم = الإصحاب والملاينة ...
وتبعه على هذا النهج الأزهري في التهذيب، والقالي في البارع، والصاحب في المحيط، وابن سيده في المحكم.
وكان البحث في هذه الدواوين الكبيرة مركزاً في تثبيت تفاصيل المنهج وتصحيح المواد وإحكامها، حتى قال ابن منظور في اللسان: ما رأيت أجمل من التهذيب للأزهري ولا أكمل من المحكم لابن سيدة.
...
وبعد هذه التقدمة الموجزة، أنبه أن اختيار الخليل بن أحمد لطريقة التقليب هذه هو اختيار للأصعب لا للأسهل، كما لا يخفى، ولا أحسب (شهيد التعليم والتيسير!) عدل عن الأسهل إلى الأصعب إلا لحكم في نفسه، أظهرها في مواضع من العين كما قال ابن فارس.
(قال ابن فارس إن الفضل في بناء معجمه يعود إلى الخليل وإشاراته في كتابه).
وجاء أبو الفتح بن جني (-392)، ولفت النظر إلى حكم ترتيب معجم العين للخليل، وسمى ذلك الترتيب تقليباً [الخصائص 2/ 134 - 139]، فتكلم عن الاشتقاق، وعدّه واحداً من خصائص العربية.
وقد قسم ذلك الاشتقاق إلى اشتقاق أصغر، (وهو أن تأخذ أصلاً من الأصول، فتتقراه (تستقرئه)، فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغه ومبانيه، كتركيب (س ل م) فتصرفه بمعنى السلامة على سلم ويسلم وسالم وسلمان وسلمى والسلامة والسليم.
وإلى اشتقاق أكبر، و"هو أن تأخذ أصلاً من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُدّ بلطف الصنعة والتأويل إليه؛ كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد ".
وضرب على ذلك أمثلة: تقليب الكلام (ك ل م) والقول (ق و ل) والجبر (ج ب ر) والقسوة (ق س و) والسلام (س ل م).
فتقاليب (الكلام) ترجع إلى القوة والشدة.
وتقاليب (القول) ترجع إلى الإسراع والخفة.
وتقليب (الجبر) ترجع إلى القوة والشدة.
وتقاليب (القسو) ترجع إلى القوة والاجتماع.
وتقاليب (السلام) ترجع إلى الإصحاب والملاينة.
فهو يرى ومعه أبو علي الفارسي أنها مادة واحدة شكّلت على صور مختلفة، فكأنها لفظة واحدة، وأن اختلاف صورها اختلاف تنويع وتفصيل وتقييد.
ابن جني يقارن بين تصاريف جذور الكلم، ويقارن تصاريف جذر الكلمة الواحدة، وقد رأى في كلّ معاني جامعة ومشتركة.
وتوقف ابن جني عند جواز طرد الاشتقاقين في كل اللغة، لأن ذلك يفوق طوق آحاد الخلق.
ومن هنا لفت النظر إلى حكمة من حكم الوضع العربي.
واستبان ذلك أيضاً لأحمد بن فارس (-395).
وليس كل كلام العرب جارياً على هذا القياس والحكم والطرد، فقد استبعد ابن فارس من ذلك: المعرّب والمبدل والمقلوب والمؤتلف من أصل واحد وحكاية الصوت وأسماء النبت والمكان والأعلام والألقاب والإتباع والمنحوت والمبهم والحروف والأدوات؛ فهذه ألفاظ لا يدخلها قياس، وأعفى نفسه من إدخالها في معجمه: (معجم مقاييس اللغة).
ولكن ما بقي مما استثناه ابن فارس = شيء كثير استوعبه في كتابه: معجم مقاييس اللغة (2650 صفحة) في ستة مجلدات (ط هارون).
ومن أمثلة هذا الاشتقاق: قول ابن فارس:"وإن لله في كل شيء سراً ولطيفة، وقد تأملت هذا الباب (باب الدال مع اللام)، من أوله إلى آخره، فلا ترى الدال مؤتلفة مع اللام بحرف ثالث إلا وهي تدل على حركة ومجيء، وذهاب وزوال، من مكان إلى مكان". المقاييس 2/ 298.
وقول الزبيدي: "نقل شيخنا عن الزمخشري في الكشاف أنه قال: لو استقرئ أحد الألفاظ التي فاؤها نون، وعينها فاء، لوجدها دالة على معنى الذهاب والخروج ". التاج (نفد).
إن لك أن ترى هنا آلتين أخريين في هذا الباب:
3) آلة انتظام الجذور في معنى أو اثنين ... أو خمسة.
4) آلة اشتراك بعض المتقاربات الأصوات في معان عامة.
وما أحوجنا اليوم إلى البحث في هذه الأبواب من الاشتقاق والتنقير فيها وتوسيعها.
...
فائدة: جاء في كتاب العين (مادة: كنع): أن لغة الكنعانيين تشبه العربية!.
والكنعانيون هم أبناء سام بن نوح.
...
. . . (يتبع). . .
¥