تلك الحروف الفصاح هي التي عليها مدار التأليف الصوتي العربي، منقسمة إلى حروف صحاح وعلل وأبعاض علل، وأن العلل وأبعاضها تدور في فلك الأحرف الصحاح، وهذه القسمة تجعل الكلام يتناغم بين حركاته وسكناته المتغيرة، التي تجري على الحروف الثابتة في أصل الكلمة وتؤوّب معها.
هذا هو الأصل الأول.
وكوّن هذا التناغم نسيجاً صوتياً، اكتسب به اللسان العربي نمطاً أدائياً غنائياً ترنّمياً متناسقاً متساوقاً منسجم الصفات متوازناً، نسيجاً يحاكي النسيج الكوْني الخلاب.
وقد تجد كتب التجويد حين تصف مخارج الحروف وصفاءهن = تحكي لك أن الألف فيه صوت أُلفة، وأن الباء فيه شدة وقوة، وأن في السين همساً ووسوسة كصوت هجرة الطيور، وفي الصاد صفيراً، وفي الزاي دويّاً، وفي الطاء اصطكاكاً، وفي الشين تفشياً، وفي الغنة اعتلاجاً، وفي الضاد فصاحة ...
وهذا النسيج يتشكل في ذهن الإنسان منذ نعومة أظفاره، ويتكامل مع بلوغه سنّ التمييز.
ويتكوّن مع هذا النسيج الصوتي، انطباعات معنوية للأصوات البسيطة والمركبة، تكون هي اللغة التي يعتبرها الإنسان لغته الأم.
وتلك الانطباعات قد فسرها بعضهم بأنها اقترانات شرطية، اكتُسبت من تكرار العلامات اللغوية / الأصوات / الأسماء، مرتبطة بذواتها وأحداثها وملابساتها، على الذهن.
وقارنت بين هذه الأصول العربية والأصول التي انبنت عليها ألسنة أخرى، فكانت تلك الألسنة ناقصة الأصول نقصاً بيّناً جامدة التأليف كدرة النطق مبهمة اللفظ.
وثنيت بالكلام عن الكلمات العربية، مورداً كلام سيبويه؛ أن كلام العرب ينقسم إلى أقسام ثلاثة؛ تقسيماً يفسر بساطة تكوينات هذا اللسان وعمق تعبيره عن حاجة النفس والعقل، وأنه في هذا التقسيم يختلف عن تقاسيم الألسنة الأخرى التي لم تستطع أن تجاريه في تلك البساطة وذلك العمق.
وللكلمة العربية المتكونة من أصوات = نسيج بارع بديع، وذلك أن الأصوات العربية الفصيحة ذات النسيج البديع هي التي كوّنت هذه الكلمات، فكانت هذه الكلمات ذات صيغ محلاة بأنساق موزونة، بميزان دقيق، يفرق بين الأصول والفروع، والمجرد والمزيد، والجامد والمتصرف، والمبني والمعرب، والثابت والمتغير.
هذا الميزان هو الميزان الصرفي، ولكنّ عناصره أربعة: الحروف الأصول (فعل)، وحروف الزيادة (سألتمونيها)، وحروف العلة (ا و ي ء)، وحروف الإبدال (هدأتَ موطيا). وشرحها بأمثلتها يطول.
وينسحب قانون الفصاحة العربية العالي الكفاءة والدقيق المعيار على النسيج الصوتي بحروفه الصحاح والعلل وأبعاضها، وعلى تشكلات هذا النسيج المتكوّن من الكلمات والجمل وسائر أجزاء الكلام؛ ليكون ذلك النسيج في آخر صورة قطعةً فنية بديعة، تؤدي فيه تلك الدوال المنظومة مدلولاتها بأحسن ما يكون الأداء.
ومثال هذا النسيج يصدق على صورتين:
صورة من كلام البشر وهي المتجلية في الشعر العربي، الذي بلغ الذروة البيانية، بشهادة النقاد المتعاقبين مع الزمان.
وصورة من كلام الله تعالى، وهي المتجلية في كتابه العزيز المعجز، بشهادة العرب الذين بلغوا تلك الذروة.
فتحصل لدينا إلى الآن آلتان:
(1) آلة الحروف بحركاتها وسكناتها.
(2) آلة الكلمات بثوابتها ومتغيراتها.
والله الموفق.
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[03 - Nov-2009, صباحاً 04:27]ـ
الأوسع طواعية!
قبل الانتقال إلى نحو الجملة لنرى ما فيه من فضائل .. لا بد أن نستجلي أمراً فضيلاً، قد يخفى من نحو الكلمة.
وهو كامن في العلم الذي سمي متن اللغة، الذي هو قاعدة ما سلف من الكلام عن آلة التجريد والتصريف والجمود والاشتقاق، وقاعدة ما يأتي من أنحاء وآلات.
ذلك العلم الذي أحاطت به المعجمات العربية، ابتداء من معجم العين المنسوب إلى الخليل إلى المعجم الوسيط الذي صنعه مجمع القاهرة، فلم يشذ عنها منه شيء، إلا ما لا خطر له، حتى استوى معجم اللسان العربي موثقاً بالنقل منظماً بالعقل واضحاً كالشمس.
وامتد بناء المعجم العربي منذ أن بدأ التدوين مع القرن الهجري الأول إلى الآن (أي: أربعة عشر قرناً) بغير انقطاع، فاجتمع له عراقة وتهذيب ومتانة لم ينلها معجم آخر في آثار الألسنة الأخرى.
¥