وأخبرني عليُّ بنُ أحمد بنِ الصبَّاح قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه أن الرشيد سأله عن شعر ل ابن حزام العُكْلِيّ ففسره، فقال: " يَا أصمعي، إِن الغريب عندك لغَيْرُ غريب " فقال: " يَا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وَقَدْ حفظتُ للحَجَر سبعين اسماً؟ ". وهذا كما قاله الأصمعي. ولكافي الكفاة أدام الله أيامه وأبقى للمسلمين فضله - فِي ذَلِكَ كتاب مجرد.
فأين لسائر الأمم مَا للعرب؟ ومن ذا يمكنه أن يُعبّر عن قولهم: ذات الزُّمَيْن، وكَثْرَة ذات اليد، ويد الدهر، وتخاوَصَت النجوم، ومَجَّت الشمسُ ريقها، ودَرأ الفيءَ، ومفاصل القول، وأتى بالأمر من فصِّه، وهو رَ حْب العَطَن، وغَمْرُ الرداء، ويخْلق، ويَفري، وهو ضيّق المَجَمّ، قلِق الوَضِين، رابط الجأش، وهو ألْوى، بعيد المُسْتَمَرّ، وهو شراب بِأنقع، وهو جُذَيْلُها المحكَّك وعُذَيقُها المُرَجَّب، وَمَا اشبه هَذَا من بارع كلامهم ومن الإيماء اللطيف والإشارة الدّالة.
وَمَا فِي كتاب الله جلّ ثناؤه من الخطاب العالي أكثر وأكثر، قال الله جلّ وعزّ: " ولكم فِي القصاص حياة " و " يحسبون كلَّ صَيْحة عليهم "، و " وأُخرى لن تَقْدروا عَلَيْهَا قَدْ أحاط الله بِهَا " و " إِن يتّبعون إِلاَّ الظَّنَّ وإن الظن لا يُغني من الحقّ شيئاً " و " إنما بَغيكم عَلَى أنفسكم "، " ولا يُحيق المكر السّيّئ إِلاَّ بأهله " وهو أكثر من أن نأتي عَلَيْهِ.
وللعرب بعد ذَلِكَ كَلِم تلوح فِي أثناء كلامهم كالمصابيح فِي الدُّجى، كقولهم للجَموع للخير: قَثُوم، وهذا أمر قاتِم الأعماق، أسود النواحي، واقتحف الشرابَ كلّه، وَفِي هَذَا الأمر مصاعبُ وقُحَم، وامرأة حييّة قدِعة، وتَقَادَعوا تقادُعَ الفراش فِي النار، وَلَهُ قَدَم صِدق، وذا أمر أنت أردته ودبّرته، وتقاذَفَتْ بِنَا النَّوى، واشْتَفَّ الشراب، ولك قُرعة هَذَا الأمر خياره، وَمَا دخلت لفلان قريعة بيت، وهو يَبْهَر القرينة إِذَا جاذبته، وهم عَلَى قرو واحد أي طريقة، وهؤلاء قَرَابينُ الملك، وهو قشع إِذَا لَمْ يثبت عَلَى أمر، وقشبه بقبيح لطخه وصبي قصِع لا يكادُ يشبّ، وأقلت مَقاصِرُ الظلام، وقطَّع الفرسُ الخيلَ تقطيعاً إِذَا خلَّفها، وَلَيْسَ أقعَس لا يكاد يبرح، وهو منزول قفر.
وهذه كلمات من قرحة واحدة، فكيف إِذَا جال الطرف فِي سائر الحروف فجالَه؟ ولو تقصينا ذَلِكَ لجاوزنا الغرض ولما حوته أجلاد وأجلاد.
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[29 - Oct-2009, صباحاً 10:52]ـ
أخي أبا محمد جزاك الله خيراً على المرور والإفادة.
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[29 - Oct-2009, صباحاً 10:57]ـ
أخي أبا الفرج جزاك الله خيراً وبارك فيك على ما تفضلت به من فوائد ونوادر وجوامع تثري صلب الموضوع.
ـ[أبو حاتم بن عاشور]ــــــــ[29 - Oct-2009, صباحاً 11:20]ـ
قال جلّ ثناؤه: " وإنه لتنزيلُ ربّ العالمين، نَزَل بِهِ الرُّوح المبينُ عَلَى قلبك، لِتكُون من المُنذِرين، بلسان عربيٍّ مبين "
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[31 - Oct-2009, صباحاً 12:13]ـ
إخوتي الفضلاء
(مذاكرة وتوضيح)
أودّ أن أنبّه - ونحن في صدد هذا الموضوع - أننا نبحث عن آلات اللسان العربي العميقة والثابتة على الزمان في قانون اللسان العربي.
وتلك الآلات هي الأصول التي كانت مستقرة في الذهن العربي، وهي بنية اللسان التي تكونت منها أصول أصواته وأصول كلماته وأصول جمله التي اعتمد عليها العربي في التعبير بتلك الدوال عن المدلولات.
وتلك الأصول هي التي كونت النسيج اللغوي في ذهن الناطق بالعربية بالسماع عن العرب أو بمطالعة كلامهم المأثور عنهم.
وعلى تلك الأصول أو الآلات كانت ثروة اللسان العربي اللفظية والمعنوية، كوناً ذهنياً حكيماً يتفاعل معه ذهن الإنسان تفاعلاً لا يسمح به كون ذهني آخر.
وقد بدأتُ الكلام عن الحروف العربية الفصاح والحسان والهجان، وهي أصول الأصوات العربية، مورداً في صدره كلام الإمام سيبويه في ذلك.
¥