الله سليمان عليه السلام، فإن قلنا إن الهدهد لا يملك إلا أصواتا قليلة - كما ذكرت عن الحيوانات عموما- واستطاع بهذه الأصوات القليلة أن يعبر عن هذه المعاني المركبة العميقة، فهو عندي أفصح من الإنسان، لأن الإنسان -كما ذكرت -يمتلك أصواتا أكثر مما يملك الهدهد وغيره من الحيوانات.

من أين لك تأكيد أن هدهدة ذلك الهدهد لسليمان (ص) لم تكن بالعربية، وقصص الآية عربي مبين؟ {من أنبأك هذا}؟.

الهدهد المذكور في سورة النمل هدهد معين معروف مدرب مجرب رحال جوال ذو حظوة ومكانة عند سليمان الحكيم. وبلاغته إنما كانت من جهات: من جهة الهدهد الذي تكلم بالكلام المذكور، ومن جهة سليمان الذي دربه وعلمه وفهم عنه مراده، ومن جهة الأدلة المقدمة.

وأمر الهدهد وتكلمه بما يفهمه البشر هو من خصائص النبيء سليمان عليه السلام، أي أمر معجز خارق للعادة {قال رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}.

والدليل على أنه من خواص سليمان (ص) أنه حين أراد أن يرسله إلى بلقيس حمله كتاباً (اذهب بكتابي هذا)، ولم يحمله رسالة شفوية، لأنه لن يطيق ذلك، ولن تفهم الملكة بلقيس هدهدته.

وقد حصل للنبيء محمد (ص) أن استمع إلى الحجر والمنبر والذراع والضبّ والناقة والغزالة .. كرامة من الله له رحمة منه بها.

وتكفيك الآية {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}، في فقه هذا الأمر.

وكلامنا فيما جرت وتجري به العوائد، لا في المعجزات والخوارق.

وقولك إن الهدهد عندك أفصح من الإنسان بناء على أنه بأصوات قليلة أدى معاني كثيرة = قول غريب عجيب، لأن البيان باللسان خاصة إنسانية، بلا نزاع وجدال (بشهادة زقزقة العصافير وتناهق الحمير و ..... ).

ولأن فهم سليمان للهدهد على ما فيه من فضل كان معجزة لسليمان.

ولأن كثيراً من الألسنة تعمد إلى أمور أخرى غير الأصوات الطبيعية في التعبير عن مراداتها، ومنها التنغيم والتقطيع والنبر والتحزين والحركات الجسدية والإيحاءات والإشارات والرفرفة والحومان والتقليد وغيرها، مما لا يستطيع أحد تسطيره في كتاب.

ولدل هذا على أن كثرة الأصوات ليست مزية في اللغة ما دام صاحب الأصوات القليلة يستطيع أن يعبر أيضا عما يريد بدقة ووضوح مثل دقة ووضوح الهدهد فيما رواه القرآن، وهذا ينسحب على كل لغات الإنسان، فهل تسطيع أن تثبت -على افتراض أن قولك بقلة أصوات اللغات غير العربية صحيح- أن الألسنة غير العربية عجزت عن التعبير عما تستطيع العربية التعبير عنه؟ كثرة الأصوات في اللسان الإنساني ككثرة المعادن في الكون، وفقر لسان من بعضها كأنما هو فقر في مواد التصنيع، وأنواع البذور، وأجناس الأحياء، ونقصان أصوات من بعض الألسنة أو اختلاطها ببعضها .. قد أضر بها ضرراً لا ينكره أهلها ..

وقد وصل البحث اللغوي الحديث إلى أن لكل صوت من أصوات اللسان الإنساني موقعه في رقعة اللغة، وزوال جزء منها مؤذن بزوال جميعها ولو بعد حين.

وهناك خطاب النملة الوارد في القرآن أيضا: (يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) دليل آخر على أن هذه (العجماوات) فصيحة وبليغة، وأنها عجماوات بالنسبة إلينا فقط، لأننا لا نفهم ما تقول، لا لأنها لا تعرف أن تقول.

قول النملة كان بلسان الحال لا بلسان المقال، بدليل أن النمل يتخاطب بإفرازات كيمائية غريزية، يرسلها عبر الهواء، إذا شعر بخطر ونحوه.

وتبسم سليمان في أحد أوجه تفسيرها كان لأنه كان محمولاً لم تطأ قدماه واديها، فشعرت بالخطر من شدة جلبة جنوده التي مرت مع السحاب وملأت المكان، ففعلت النملة ما فعلت، ورأى ذلك سليمان وفهمه {ففهمناها سليمان}، فتبسم فرحا بنعمة الله عليه.

ويؤيد أنه لم ينزل قوله: {حتى إذا أتوا على وادي النمل} والإتيان أيسر أمراً من المجيء، و"على": للاستعلاء.

فهي لم تفهم الأمر على حقيقته كما يفهمه سليمان، فآثرت الاحتياط من سحابة عابرة.

فأين الفصاحة والبلاغة؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015