الكلمة: لفظ ذو معنى، مؤلف من بعض أحرف الهجاء. وهي أصغر وحدة معنوية في الألفاظ التي يلهج بها اللسان، ولها في كلّ قسم من أقسامها نظام وزمام وأحكام.
قال سيبويه في صدر [الكتاب 1/ 12]:
" (هذا بابُ علْم ما الكَلِمُ من العربية)
فالكَلِم: اسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ جاء لمعنىً ليس باسم ولا فعل.
فالاسمُ: رجلٌ وفرسٌ وحائط.
وأما الفعل فأمثلة أُخذتْ من لفظ أحداث الأسماء وبُنيتْ لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينَقطع.
فأما بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِعَ ومَكُث وحُمِدَ، وأما بناء ما لم يقَع فإنّه قولك آمِراً: اذهَب واقتُلْ واضرِبْ، ومخبراً يَقْتُلُ و يَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضرَبُ. وكذلك بناء ما لم يَنقطع وهو كائن إذا أخبرتَ.
فهذه الأمثلة التي أُخذت من لفظ أحداث الأسماء ولها أبنية كثيرة ستبيَّن إن شاء الله.
والأحداث نحو الضَّرْبِ والحمد والقتل.
وأما ما جاء لمعنىً وليس باسم ولا فعلٍ فنحو: ثُمَّ، وسَوْف، وواو القسم، ولام الإضافة، ونحوها". انتهى
تدور الكلمات العربية في ثلاثة محاور (تقسيم سطحي أو أفقي): فمنها: أسماء وأفعال وحروف. وانتظمت الكلمات على تلك الأقسامٍ: اسم أو فعل أو حرف معنى. وهذا التقسيم هو أول استنباط في تاريخ النحو بمعناه العام علي ما جرينا على استعماله هنا.
في كلام سيبويه هذا شمول تقسيم لا تراه في كلام غيره من النحويين، فتأمل مُدخله ومُخرجه في تفصيله الكلام في الفعل دون قسيميه.
وعلة هذه القسمة عند الزجاجي (- 339) [الإيضاح في علل النحو 44] مجيباً عن سؤال يتهم فيه النحويين بتقليد سيبويه بلا برهان ما خلاصته: أن الاسم هو علامة دالة على ذات المسمى، والفعل علامة على الحدث، والحرف رابط بينهما، فالاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، والحرف لا .. ولا .. ، وأن التعبير عما في الأنفس من أمور الحياة جارٍ على اعتبار هذه الثلاثة.
فإذا كانت أقسام الحياة ثلاثة: أشياء: ذوات ج ذات، وحركة هذه الأشياء (حدث)، ورابط يربط بين الأشياء والأحداث .. فيجب أن تكون أقسام مفردات اللسان كذلك .. اسم (للشيء) وفعل (للحدث) وحرف (للرابط).
وهذا مصداق القول: إن اللغة وعاء لفظي لعلامات دالة على الواقع.
وقال أبو البركات الأنباري (-577) [أسرار العربية 4]:
"فلمَ قلتم: إن أقسام الكلام ثلاثة لا رابع لها؟ قيل: لأنا وجدنا هذه الأقسام الثلاثة يعبر بها عن كلّ ما يخطر بالبال، ويُتوهّم في الخيال، ولو كان ههنا قسم رابع لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه.
ألا ترى أنه لو سقط آخر هذه الثلاثة الأقسام لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه بإزاء ما سقط".
يقصد أن الزيادة على ثلاثة الأقسام عبث في التقسيم، وأن النقص عنها مخلّ بمقاصد المتكلم.
وقد كان لانضباط قوانين (الإعراب والبناء) و (الاشتقاق والجمود) و (التجريد والزيادة) في العربية واطرادها ومرونتها = أثر ظاهر في تسويغ هذا التجريد البديع وثرائه ومضائه.
كأنك وأنت تستعرض الكلمات العربية تتبصر فيها آلة بديعة الصنعة، قوامها الأحرف الأصول (ف ع ل ل ل) ثابتة في كل كلمة، ثلاثية أو رباعية (أسماء وأفعالاً) أو خماسية (أسماءً)، كلّ بحسبه، بأحرف صحاح أو عليلة، وتتغشاها أحرف الزيادة (سألتمونيها)؛ إن في الصدر أو في الحشو أو العجز، وأحرف الإبدال (هدأت موطيا)!.
وتتوالد الأبنية على سنن هذا الميزان.
وهي بذلك " غير قابلة للتجريد أكثر مما كان أو للضمّ إلا إدغاماً ونحوه أو للحذف إلا لقياس أو خفة مأثورة أو للاقتصاد أو للاعوجاج".!
(وفرق بين الخفة والقصد)!
- وإذا لم تكن الكلمة العربية ثابتة الشكل في كل أحوالها (مبنية) ولا مجهولة الأصول (أعجمية) فأبنيتها خاضعة للميزان الصرفي، وجارية على أقيسة مقطعية مطردة في الغالب:
مثال الأسماء الثلاثية: فلس وفرس وكتف وعضد وحمل وعنب وإبل وقفل وصرد وعنق.
ومثال الأفعال الثلاثية: ضرب وجلس ونصر وعلم وحسب وكرم (أبواب الفعل الثلاثي).
وزمام الكلمة في العربية بيد الحروف المجردة (من داخل الكلمة)، التي تدور حولها الزوائد والعلل والبدائل .. بخلاف غيرها فزمامها بيد المتكلم (من خارج الكلمة).
¥