وتتعاقب الحركات والسكنات في أحرف الكلمات، بلا كلفة ولا حظر، لولا بعض ما يستثقله العرب مما يخالف الفصاحة وعذوبة المنطق ورقته ووضوحه وترسّله، فإذا قلت مثلاً:

(اِبَّبِبُبَابيبُو).

في تأليف ذلك المثل السالف المضروب على أحوال الأصوات على ما سبق ترتيبه:

اِبْ، بَـ، بِـ، بُـ، بَا، بي، بُو.

كنت قد أتيت بما يستثقله لسان العربيّ، ولم يؤثر عنه مثله؛ لأن العرب تكره فيما هو كالكلمة الواحدة كلفة البدء بصوت ساكن إلا بصلة، كما تكره الوقف على صوت متحرك إلا بسكت، وتكره توالي ساكنين صحيحين، وتكره عثار توالي أكثر من متماثلين، وتكره اضطراب توالي أربع متحركات، وتكره ثقل مجاوزة الاسم سبعة أحرف والفعل ستة أحرف، وتكره عسر الانتقال من كسر إلى ضم، وتكره تعاقب أحرف متقاربة في المخرج أو الصفة من نحو: " مُسْتَشْزِرَات ": مرتفعات، و"الهُعْخُعُ": نبت، أو لم يعهد استعمالها عندهم، نحو مهندز؛ بالزاي بعد الدال؛ ولذا عربوها من الفارسي إلى: مهندس؛ بالسين.

وعلة هذه الكراهة لتلك الأمور أنهم يتوافقون مع قوانين البديهة والحسّ والعلوم الطبيعية؛ جمعاً وتوزيعاً وتحريكاً وتسكيناً.

وأحسب أن للتأليف الصوتي في آلة الكلمة في اللسان العربي نظاماً وحراكاً وتوالداً لا تراها في غيرها من آلات كلمات الألسنة.

وبيان ذلك بإيجاز: أن هذه الكلمة تتألف من مقاطع ثابتة ومرنة معاً، وهي الأحرف الصحاح الثابتة في بنية الكلمة، وتدول حول الأحرف الصحاح الأحرفُ العليلة وأبعاضها، في تأويب تجري فيه الحركات إلى مستقر لها (البدء بمتحرك والوقف بالسكون)؛ دورانَ الجسيمات في الذرة والكواكب في المجرة (ودوران كل شيء بحسبه)!، ولا يصحّ أن تحذف تلك الأحرف الصحاح التي عليها المدار بحال، أو أن تضطرب، أو تنشز، أو تقتصد، أو تعوج، إلا ترخيماً كيا سعا، أو تخفيفاً كيَدٍ، وذلك نادر لا يقاس عليه؛ بخلاف العليلة التي تحذف وتبدل وتتغير.

ويأتي الإعراب في أواخر المعربات والتحريكُ في أواخر المبنيات الساكنات = ليجعل التقاطيع والتخاليف فيها مفتوحة مسترسلة مرتّلة، إلا في حالات الوقف (المقطع المغلق)، وليؤلف من الكلم ما يجعله في نظم صوتي واحد، كتغريدات عصفور متتابعة أو سجعات حمامة، أو كخطوات، أو قطرات.

وترى بدائع من ذلك التأليف الصوتي الحكيم = في علم العرب وديوانهم، الذي ليس لهم علم أصحُّ منه، وهو توقيع أبيات الشعر؛ على أوزانه الستة عشر؛ في عد الخليل وتكميل الأخفش، وأصواته المائة كما ذكر الأصفهاني في الأغاني.

ويفهم هذا في قوله تعالى: (ورتلناه ترتيلاً)، ووصف نطق النبيء عليه الصلاة والسلام أن فيه ترسيلاً وترتيلاً؛ بجامع تتابع نظام الأصوات، وتتابع نظام الكلمات والآيات، وتتابع نظام المعاني والعبر.

وقد تكون العبرية أقرب في هذا إلى العربية (كلاهما ساميّ)، ولكنك ترى فيها، زيادة على النظام التشكيلي للحروف، نبرَ بعض المقاطع (النبر: إبراز نطق حرف دون غيره، وهو من سمات ذوات المقاطع الجامدة كالصينية)، بل ترى له قواعد تصريفية ووظائف معنوية، وترى توالي ساكنين صحيحين، بقلقلة الأول، وأن كلّ الحروف قابلة للقلقلة (السكون المتحرك) إذا ابتدئت بها صدور المقاطع، وترى شَدّتها خفيفة حيناً مع أحرف وثقيلة في أحوال أخرى، و لا تشدد أحرف الحلق ولا تسكن، وقد يقولون شدة مقدرة أي غير ظاهرة!.

فسبحان من أنزل بها كتابه الحكيم، وجعلها في أحسن تقويم وصراط مستقيم وفضل كريم، فأنهلها وأعلّها، وأدقها وأجلّها، وأكثرها وأقلها، وأثّلها وأبلّها.

... (يتبع). . .

ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[25 - Oct-2009, صباحاً 09:32]ـ

.

ثانياً: نحو الكلمة

هذا هو النحو الثاني من أنحاء العربية، له خصائص ينفرد بها عن ألسنة كثيرة.

وهذا النحو ناشيء من التأليف الصوتي الذي سبق.

ويدرس هذا النحو في علم التصريف، وعلم الاشتقاق، وفي علم المعجم، وهو متن ألفاظ اللغة، وفي فقه اللغة. وهي علوم أصيلة في العربية، مطردة الأقيسة، موفورة النقل، بديعة الاستنباط والتجريد.

وسأختار منها نحواً يبين المزية، فإذا وضحت فيه كانت في غيره على ذلك الوضوح.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015