ومن الآيات الصريحة في ذلك قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} (?)، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (?)، وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} (?).
فهذه النصوص وغيرها صريحة في خلق الله تعالى للضلالة، وفيها إبطال لهذه التأويلات البعيدة التي لا تشهد لها لغة ولا شرع.
يقول ابن القيم: عن تحريفات القدرية للنصوص بما ذكروه من معان باطلة: " فهذه أربع تحريفات لكم، وهو أنه:
1 - سماهم بذلك.
2 - وعلمهم بعلامة يعرفهم بها الملائكة.
3 - وأخبر عنهم بذلك.
4 - ووجدهم كذلك.
فالإخبار من جنس التسمية، وقد بينا أن اللغة لا تحتمل ذلك، وأن النصوص إذا تأملها المتأمل وجدها أبعد شيء من هذا المعنى.
وأما العلامة فيا عجبا لفرقة التحريف وما جنت على القرآن والإيمان! ففي أي لغة وأي لسان يدل
1 - قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} (?) على معنى: إنك لا تعلمه بعلامة، ولكن الله هو الذي يعلمه بها.
2 - وقوله: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} (?) من يعلمه الله بعلامة الضلال لم يعلمه غيره بعلامة الهدى ...
3 - وفي أي لغة يفهم من قول الداعي: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (?) علمنا بعلامة يعرف الملائكة بها أننا مهتدون، 4 - وقولهم: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} (?) لا تعلمها بعلامة أهل الزيغ ... " (?).
وأما قولهم بأن الله نسب الإضلال إلى الكفار والشياطين
فيقال: نعم، إن الإضلال قد يحصل من هؤلاء، ولكن لا بمعنى الخلق، بل بمعنى التزيين والإغراء والإغواء، والفرق بين الأمرين ظاهر.
ثم إن الشبهة التي نفوا بها أفعال الله من الإضلال ونحوه (?)، حيث زعموا أنه يلزم من نسبة هذه الأفعال إلى الله الظلم منه تعالى لعباده، فهذه الشبهة ناشئة من مذهبهم العقلي، وتشبيههم الله بخلقه.
فعندهم أن ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فالله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (?) " كما أننا لا نحيط علما بحكمته سبحانه، وإن كنا نقطع أن الله سبحانه حكيم عليم، وأن جميع أفعاله لحكم وغايات محمودة قد ندرك بعضها، ونجهل الكثير منها.
ومما يزيل الشبهة في ذلك أيضا التفريق بين الخلق والمخلوق كما سبق إيضاحه، فلا تلازم بين فعل الله ومفعولاته، ففعله سبحانه كله حسن وحكمة وخير، وأما مفعولاته ففيها الخير والشر، والصلاح والفساد، والجميع خلقه سبحانه وتعالى.