( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn3)). وابن القيم رحمه الله عدل عن تسمية هذا النوع بالاشتقاق الأكبر، وسماه: الاشتقاق الأوسط؛ يقول في مدارج السالكين: "وَأمّا الرَّهْبةُ فهي الإمْعَانُ في الْهَرَبِ منَ المكروهِ، وَهِي ضِدُّ الرَّغْبةِ التي هي سَفَرُ القلبِ في طَلَبِ المرْغُوب فِيه، وَبَين الرَّهَبِ وَالْهَرَبِ تناسُبٌ فِي اللَّفظِ والمعنى يجمعهما الاِشتقاقُ الأوسَطُ الذي هو عَقْدُ تَقَالِيبِ الكلمةِ عَلَى مَعنى جَامعٍ" ([4] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn4)).
وقال أيضا: " التَّتَيُّم هُو التعبد والتذلل؛ يقال: تَيَّمَهُ الحب: أي ذَلَّلَه وعَبدَه، وتَيْمُ الله عَبدُالله، وبينه وبين اليُتْمِ الذي هو الاِنْفِرَاد تَلاَقٍ في الاشتقاق الأَوسَط، وتَنَاسُبٌ في المعنى، فإن الْمُتَيَّمَ الْمُنْفَرِدُ بِحُبِّهِ وشَجْوِه، كانفراد اليتيم بنفسه عن أبيه، وكلٌّ منهما مكسورٌ ذَلِيلٌ؛ هذَا كَسَرُهُ يُتْمٌ، وَهذَا كَسَرَهُ تَتَيُّمٌ" ([5] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn5)).
المثال الثالث:
وهو حديث ابن القيم رحمه الله عن المناسبة بين اللفظ ومعناه، وهو موضع شريف لطيف، لا يقوى عليه إلا من رَقَّ طبعُه، ودَقَّ فهمُه، وكُشِف له مِنْ أسرار هذه اللغة الباهرة. "والله سبحانه بحكمته في قَضَائه وَقَدَرِه يُلْهِم النفوسَ أن تضع الأسماء على حَسَبِ مُسَمَّياتِها لِتَتَنَاسَب حكمتُه تعالى بين اللفظ ومعناه، كما تَنَاسبت بين الأسباب ومسَبِّبَاتِهَا" ([6] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn6)). وإِنَّ "الألفاظَ مُشَاكِلَةٌ للمعاني التي أَرْوَاحُها يَتَفَرَّسُ الفَطِنُ فيها حقيقةَ المعنى بطبعِهِ وحِسِّهِ، كَمَا يَتَعَرَّفُ الصّادِقُ الفِراسَةِ صفاتِ الأرواحِ في الأجسادِ من قَوَالِبِها بِفِطْنَتِه" ([7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn7)).
قال رحمه الله في جلاء الأفهام في مَعرض كلامِه عن الميم المشددة في قول المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»:
"وقيل: زِيدت الميمُ للتعظيم والتفخيم، كزيادتها في زُرْقُمٍ لِشدِيد الزُّرقَة، وابْنُمٍ في الابن. وهذا القولُ صحيحٌ، ولكنْ يحتاج إلى تَتِمَّة، وقائلُهُ لَحَظَ معنًى صحيحاً لا بد من بيانِه؛ وهو أن الميم تدل على الجَمْعِ وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مُطَّرِد على أصل من أَثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أَسَاطين العربية ([8] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn8))، وعقد له أبو الفتح ابْنُ جِنِّي بابا في الخصائص ([9] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn9))، وذكره عن سيبويه ([10] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn10))، واستدل عليه بأنواعٍ من تناسب اللفظ والمعنى، ثم قال: "ولقد كنت بُرْهَةً يَرِدُ عليَّ اللَّفظُ لا أعلمُ موضوعَه، وآخُذُ معناه من قُوَّةِ لفظهِ ومناسبةِ تلك الحروفِ لذلك المعنى، ثم أَكْشِفُهُ فأجِدُه كما فَهِمْتُه، أو قريباً منه. فَحَكَيتُ لشيخ الإسلام هذا عن ابن جِنِّي فقال: وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك، ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لِمَعنى اللفظ، وأنَّهم في الغالب يجعلون الضمَّةَ التي هي أقوى الحركاتِ للمعنى الأقوى، والفتحةَ الخفيفةَ للمعنى الخفيف، والمتوسِّطَةَ للمتوسط؛ فيقولون: عَزَّ يَعَزُّ بفتح العين، إذا صَلُبَ، وَأَرْضٌ عَزَازٌ: صَلبَةٌ، ويقولون: عَزَّ يَعِزُّ بكسرها إذا امتنع، والممتَنِعُ فوقَ الصَّلْبِ، فقد يكون الشيءُ صلباً ولا يَمْتَنِعُ على كاسرِهِ، ثم يقولون: عَزَّهُ يَعُزُّهُ إذا غَلَبَه؛ قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) والغَلَبَةُ أقوى من الاِمتِنَاع، إذ قد يكون الشيءُ مُمْتَنِعاً في نفسِهِ، متَحَصِّناً من عَدُوِّه، وَلاَ يَغلِبُ غيرَهُ، فالغالبُ أقوى من الممتَنِعِ، فأعْطَوْهُ أقوى الحركاتِ، والصَّلْبُ أَضعفُ من الممتَنِعِ فأعطَوْهُ أضعفَ الحركاتِ، والممتنعُ
¥