من مباحث فقهِ اللغة عند ابنِ قَيِّمِ الجَوزِية (رحمه الله)

ـ[أبوجعفر]ــــــــ[06 - Oct-2009, مساء 04:48]ـ

============================== ==========================

من مباحثِ فقهِ اللغة عند ابنِ قَيِّمِ الجَوزِية

============================== ==========================

بقلم: أبي المساكين عبد المجيد أيت عبو

لقد كان العلامة شمسُ الدين أبو عبد الله محمدُ بنُ أبي بكرٍ الزَّرعيُّ الدمشقيُّ المشهورُ بابنِ قَيَّمِ الْجَوْزِيَّةِ من العلماء المحققين الأفذاذ، الذين فتح الله تعالى عليهم في علوم مختلفة، وَحَبَاهم النبوغَ في فنون شتَّى. وقد كان له إِلْمَامٌ واسع بالثقافات المتعددة في مختلف الميادين؛ فنبغ في علوم الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والمنطق، وعلوم العربية وغيرها. كما أن له معرفة بالتوراة والإنجيل، وبالعبرانية والسريانية والفارسية والتواريخ القديمة. قال عنه السيوطي: "قد صنف وناظر واجتهد، وصار من الأئمة الكبار في التفسير، والحديث، والفروع، والعربية" ([1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn1)). وله رحمه الله مؤلفات كثيرة نافعة في مجالات عدة، استفاد منها الموافق والمخالف، قد استقى مادتها العلمية الغزيرة من مكتبته العامرة، إذ كان مغرما بجمع الكتب، وقد: "اقْتَنَى من الكتب ما لا يَتَهَيَّأ لغيره تَحْصِيلُ عُشُرِهِ من كتُبِ السَّلَفِ والْخَلَف" ([2] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn2)).

وإنَّ مِمَّا تحفل به كتبُ ابنِ القيم رحمه الله تناولَها مَجموعةً من قضايا ومباحثِ فقه اللغة العربية؛ فهو يذكر في ثنايا كتبه كثيرا من المباحث والمسائل التي تناولها سابقوه في هذا الباب؛ كالثعالبي في فقه اللغة، وابن فارس في كتابه الصاحبي، وابن جني في الخصائص. وسنشير في هذه المقال إلى بعض النماذج الدالة على غزارة علم ابن القيم، وعمق فهمه في فقه العربية وأسرارها، مقتصرين على أمثلة ثلاثة:

المثال الأول:

ذكر فيه ابن القيم مجموعة من الألفاظ التي تختلف أسماؤُها باختلاف ما يعتريها من الأحوال والهيئات؛ قال في بدائع الفوائد: "الحذْفُ بالعَصَا والخذْف بالحصَا. حَسَرَ عن رأسه، وسَفَرَ عن وجهه. وافْتَرَّ عن نَابِه، وكَشَّرَ عن أسنانه. وأَبْدى عن ذراعيه وكَشَفَ عن سَاقيه. مَائِدَةٌ لِمَا عَلَيْهَا الطَّعَامُ، وخِوَانٌ لِمَا لاَ طَعَامَ عَلَيه .. كَأسٌ لِمَا فِيه شَرَابٌ، وبِدُونِه زجَاجَةٌ وَإِنَاءٌ وقَدَحٌ. كُوزٌ لِذِي العُرْوَةِ، وبِدونِهَا كُوبٌ. رُضَابٌ للرِّيقِ في الفم، فإذا انْفَصَل فبُصَاقٌ. أَرِيكَةٌ للسَّرِيرِ عَلَيْهِ قُبَّةٌ، وبِدُونِهَا سريرٌ. خِدْرٌ للخِبَاءِ فيه المرأة، وبدونِهَا سِتْرٌ .. عِهْنٌ لِلصُّوفِ الْمَصْبُوغ، وبِدُونِ صَبْغِهِ صُوفٌ. وَقُودٌ للحَطَب المشتَعِل ناراً، وبدونِهَا حَطَبٌ .. سَجْلٌ للدَّلْوِ فيها الماء، فإذا مُلِئَت فهي ذَنُوبٌ، ودَلْوٌ بِدُونِهِمَا. نَفَقٌ إِذَا كَانَ له مَنْفَذٌ، وَبِدُونِهِ سِرْبٌ. نَعْشٌ للسَّرِيرِ عليه الميت، وبدونه سَرِيرٌ. خَاتَمٌ لِذي الفَصِّ، وبدونه حَلْقَة .. غَيْثٌ لِلمَطَرِ في إِبَّانِهِ، وإلاَّ فَمَطَر ..

النَّاعِيةُ: الصائحَةُ على الميِّتِ خاصة. والإِبَاقُ: هَرَبُ العبد خاصَّة .. القَذْفُ: الشَّتْمُ بالزِّنَا خاصّة .. ". وهذا باب واسع، اعتنى به الثعالبي كثيرا، وأطال في التمثيل له في باب أسماه: "باب في الأشياء تختلفُ أسماؤُها وأوصافُها باختلاف أحْوالِها".

المثال الثاني:

وسنعطي في هذا المثال لَمْحَةً عن ضرب من الاشتقاق سماه ابنُ جني الاشتقاقَ الأكبر، وذلك أن الاشتقاقَ عنده على ضربين: كبير وصغير؛ فالصغير هو المتداول والمعروف في كتب اللغة، كلفظ: (سلم) الذي يؤخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سَلِم ويَسْلَم وسَالِم وسَلْمَان وسَلْمى والسَّلِيم. أما الكبير أو الأكبر فهو أن تأخذ أصلاً ثلاثيًّا، وتربطَ تَقَلُّباتِهِ الستَّةَ بمعنى واحد، فتقاليبُ فِعلِ (ملك) مثلا، وهي: (ملك)، (مكل)، (كمل)، (كلم)، (لكم)، (لَمك) ترجع إلى معنى واحدٍ وهو القوة والشدَّة. وهذا القسم قال عنه ابن جني: "هَذَا أَعْوَصُ مذهباً وأحزَنُ مُضطرَبا" ([3]

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015