المتَوَسِّطُ بين المرتبتين، فأعطَوْهُ حَرَكَةَ الوَسَط.
ونظيرُ هذا قولهُم: ذِبْح بكسر أوَّله للمَحَلّ الْمَذبُوح، وذَبْح بفتح أوَّله لنَفْسِ الفعل، ولا ريبَ أن الجسمَ أقوى من العَرض، فأعطوا الحركةَ القويةَ للقويِّ، والضعيفةَ للضعيفِ .. وكقولهم: حِمْلٌ بِالكسر لما كان قوِيًّا مُثَقِّلاً لحامِلِه على ظَهرِه، أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه. والْحَمْلُ بالفتح لما كان خَفِيفَهُ غيرَ مُثَقِّلٍ لحَامِلِه. وَتَأَمل كونَهُم عكسوا هذا في الْحِبِّ والْحُبِّ، فجعلوا المكسورَ الأوَّلَ لنَفْسِ المحبوب، ومَضْمُومَهُ للمصدر، إيذاناً بِخِفَّةِ المحبوب على قلوبِهِم، ولُطْف موقِعِه في أنفسهم، وحلاوتِهِ عندهم، وثِقْلِ حِمْلِ الْحُبِّ وَلُزُومِهِ للمُحِبِّ كما يلزم الغريم غَريمَه .. وَلِهَذَا كَثُر وصفُهُم لتحمُّلِه بالشدةِ والصعوبةِ.
وتأمَّلْ قولَهم: دَارَ دَوَرَاناً، وفَارَت القِدْر فَوَرَاناً، وغَلَت غَلَيَاناً، كيف تَابعُوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة الْمُسَمَّى، فطابق اللفظ المعنى ([11] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn11)). وتأمل قولَهم: حَجَرٌ وهَوَاء، كيف وضعوا للمعنى الثقيلِ الشديدِ هذه الحروف الشدِيدَة، ووضعوا للمعنى الخفيفِ هذه الحروفَ الهوائِيَّةَ التي هي من أخفُّ الحروف.
وهذا أكثرُ من أن يحاط به، وإن مَدَّ الله في العُمُر وضعت فيه كتابا مستقِلاًّ إن شاء الله تعالى.
ومِثلُ هذه المعَانِي يستدعي لطَافَةَ ذِهْنٍ وَرِقَّةَ طَبع، ولا تَتَأَتَّى مع غِلَظِ القلوب، والرضى بأوائل مسائلِ النحو والتصريف دون تأمُّلِهَا وتدبُّرِها، والنظرُ إلى حكمةِ الواضعِ، ومطالعةِ ما في هذه اللغة الباهِرَةِ من الأسرار التي تَدِقُّ على أكثر العُقُول ..
وانظر إلى تسميتهم الغليظَ الجافي بالعُتُلِّ، والجَعْظَرِيّ، والْجَوَّاظِ، كيف تجد هذه الألفاظَ تنادي على ما تَحتَها من المعاني، وانظر إلى تسميتِهِم الطويلَ بالعَشَنَّقِ، وتأملِ اقتضاءَ هذه الحروفِ ومناسبَتِهَا لِمَعنى الطويل. وتسميتِهِم القصيرَ بالبُحْتُرِ، وموالاَتِهِم بين ثلاثِ فَتحَاتٍ في اسم الطويل وهو العَشَنَّقُ، وإتيانِهِم بضمتين بينهما سُكُون في البُحْتُرِ كيف يقتضي اللفظُ الأَوَّلُ انفتاحَ الفمِ، وانفراجَ آلاتِ النُّطقِ وامتدادَهَا، وعدَمَ ركوبِ بعضِهَا بعضاً. وفي اسمِ البُحْتُرِ الأَمْر بالضِّدِّ .. ".
وقال رحمه الله مُبِيِّناً دَِلاَلَةَ حَرْفِ الميمِ على معنى الجمعِ والضَّم: "الميمُ حرفٌ شَفَهِي يجمَعُ الناطِقُ به شفَتَيْهِ، فوضعته العرب عَلَماً على الْجَمْعِ؛ فَقالوا للواحد أنْتَ، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: أنتم. وقالوا للواحد الغائب: هُوَ، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: هُمْ، وكذلك في المتصل يقولون: ضربْتَ وضربتُم، وإياك وإياكُمْ، وإياهُ وإياهُمْ ونظائره ..
وتأمَّلِ الألفَاظَ التي فيها الميمُ كيف تجد الْجَمْعَ معقودا بِها؛ مثل لَمَّ الشيءَ يَلُمُّه إذا جَمَعَه .. ومنه قولهم: دارٌ لَمُومَةٌ أي تَلُمُّ الناس وتجمعهم، ومنه: (أَكْلاً لَمّاً) جاء في تفسيرها: يأكلُ نصيبَهُ ونصيبَ صاحِبِه، وأصله من اللَّمِّ وهو الجمع .. ومنه: أَلَمَّ بالشيء إذا قارب الاجتماعَ به والوصولَ إليه. ومنه: اللَّمَمُ وهو مقاربةُ الاجتماع بالكبائر .. ومنه اللِّمَّةُ وهي الشَّعر الذي قد اجتمع وتَقَلَّصَ حتى جاوزَ شحْمَة الأُذن. ومنه: تَمَّ الشيءُ، وما تصرف منها. ومنه: بَدْرُ التَّمِّ إذا كَمُلَ واجتمع نورُه. ومنه التَّوأَم للوَلَدَين المجتَمِعَين في بطن. ومنه الأُمُّ، وأُمُّ الشيء أصلُه الذي تفرَّع منه، فهو الجامع له، وبه سميت مكةُ أمَّ القُرَى، والفاتِحَةُ أُمَّ القرآنِ، واللَّوحُ المحفوظُ أُمَّ الكِتَابِ ..
ومنه: الإِمَامُ الذي يجتمع المقتَدُونَ به على اتِّبَاعِه .. ومنه سُمِّيَ الرُّمَّانُ لاجتماع حَبِّهِ وتَضَامِّهِ، ومنه: ضَمَّ الشَّيءَ يضُمُّه إذا جَمَعَه". ([12] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=postthread&f=10#_ftn12))
وحسبي في هذا المقال أن أُدنِيَ للقارئ ملامِحاً عن جانبٍ من ثقافةِ ابنِ القيم الواسعة، وأمنحَ الباحثَ إشاراتٍ من عنايتِهِ بدقائقِ اللغةِ وأسرارِهَا، وإلا فالموضوع بحاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب والتَّقَصِّي، فما أكثر المباحث التي عالجها ابن القيم في هذا الباب، لكنها مبثوثة في كتبه، تحتاج إلى جمع وترتيب. ولعل الله يُيَسِّرَ لهذا العمل من هو له أَهْل، فهو المستعانُ وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
==========================
([1]) بغية الوعاة (1/ 63).
([2]) البداية والنهاية (14/ 235).
([3]) الخصائص (2/ 134).
([4]) مدارج السالكين (1/ 512 - 513).
([5]) مدارج السالكين (3/ 29).
([6]) تحفة المودود بأحكام المولود، الفصل التاسع: بَيَانُ ارتباطِ معنَى الاسم بالْمُسَمَّى (ص: 296).
([7]) بدائع الفوائد (1/ 95).
([8]) كالخليل بن أحمد، وسيبويه. انظر الخصائص (2/ 152).
([9]) سمى هذا الباب: "باب في إِمساس الألفاظ أشبَاَهَ المعاني".
([10]) انظر: الكتاب (2/ 218).
([11]) جاء في كتاب الخصائص (2/ 152): "وقال سيبويهِ في المصادر التي جاءت على الفَعَلان: إنَّها تأتِي للاِضْطِرَابِ والحركة، نحو: النَّقَزَان، والغَلَيَان، والغَثَيَان".
([12]) جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام (ص: 242 - 248). وانظر كلامه أيضا في هذا المعنى في كتابه: مفتاح دار السعادة (3/ 349 - 351). وكتابه: بدائع الفوائد (1/ 95 - 97).