أما "ودع" فوردت أربع مرات: مرة دعْ. ومرة ودّعك. ومرة مستودع. ومرة مستودعها.
فلم يأت مخففاً ماضياً ولا مضارعاً.
وقرأ الجمهور مستودع بفتح الدال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح عن يعقوب بكسرها.
وعلى الفتح يكون مصدراً ميمياً، وعلى الكسر يكون اسم فاعل.
وقرئ في الشاذّ "ودَعك "، وفي البحر 8/ 485 هي قراءة عروة بن الزبير وابنه هشام وأبي حيوة وأبي بحرية وابن أبي عبلة.
وأما "وذر" فوردت ثلاثاً وعشرين مرة بصيغة المضارعة، واثنتين وعشرين مرة بصيغة الأمر.
ولم ترد ماضياً ولا اسماً ولا وصفاً ولا مصدراً.
وفي اللسان والتاج 14/ 356 عن الليث، ولعله أقدم من قال بلفظ الإماتة: أنه قال: العرب قد أماتت المصدر من يذر والفعل الماضي ..
وهو في الصحاح والقاموس: "وقد أميت ماضيه، وإنما يقال في ماضيه: تركه".
ولو جمعنا الاستغناء الذي ذكره سيبويه مع الإماتة التي قد يكون بدأ الكلام عنها الليث هنا لكانا مسمى واحداً باسمين.
ولفظ سيبويه أقرب.
وقال في القاموس في الضرورة: "وجاء في الشعر ودعه، وهو مودوع" قال الزبيدي: على أصله.
وأصله في العين قال: "والعرب لا تقول: وَدَعتُهُ فأنا وادع. في معنى تركتُه فأنا تارك. ولكنّهم يقولون في الغابر: لم يدع، وفي الأمر: دعْه، وفي النّهي: لا تدعه، إلاّ أن يُضطّر الشّاعرُ".
وهذه الضرورة جعلت الشاعر يراجع الأصل المستغنى عنه، ويجريه في شعره، وهي هنا ضرورة جارية على القياس قليلة في الاستعمال الفصيح.
وقول من قال: العرب أماتوا أو استغنوا إلخ .. لا يعني نفي وجوده القديم؛ بل يثبت أنه كان أصلاً حياً مستعملاً قديماً مغنياً في زمنه. والإثبات مقدم على النفي. والإثبات درجات.
ثم إنهم حذفوه في استعمالهم استغناءً في ذر ودع كخذ وكُل، وفي دَعة كسِمَة وصفة، أو أبدلوه في تُدَْعة كتراث وتخمة؛ إيثاراً للأخف أو الأفصح أو الأكثر دوراناً أو الأوفى معنىً.
وأبقوه فيما سوى ذلك على أصله إذا لم يكن فيه كلفة أو ابتذال، فإن اللفظ لا يكون فصيحاً أبداً ولا مبتذلاً أبداً، فقالوا: مستودع ووداع ووديعة وودَعة ومودوع ووادِع.
والله أعلم.
ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[28 - Sep-2009, صباحاً 04:33]ـ
الليث هو صاحب الخليل. وكلامه في العين (وذر).
ـ[أبو حاتم بن عاشور]ــــــــ[28 - Sep-2009, مساء 02:30]ـ
بارك الله فيك ..
الرواية بالمعنى شبه إجماع على جوازها؛ جر إليه شيوعها بل الرواية بالمعنى هي الأصل، ولسنا نقضي في كل حديث أنه روي بالمعنى،بل نقول قوة الاحتمال = تمنع صحة الاستدلال = حتى يأتي ما يُضعف أحد طرفي الاحتمال ضعفاً يُلغي صلاحيته للتوقف في الاحتجاج ..
وأغلب الرواة مولدون ..
بارك الله فيك أخي الحبيب
/// ولكني لا أظن أن الرواية بالمعنى (شبه إجماع) كما تفضلت, ولا أنها الأصل, بل الأصل هو تأدية الرواية كما سمعها الراوي, والرواية بالمعنى خلاف الأولى فكيف تكون أصلا؟!
انظر أخي إلى كلام الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل: " ... مع أن الأصل عدمُ التبديلِ لتحرّيهم في نقلها بأعيانها، وتشديدِهم في ضبطها، ومن جَوَّزَ الروايةَ بالمعنى مُعتَرِفٌ بأنه خلافُ الأَوْلَى، وغلبة الظن كافية في الأحكام الشرعية فضلاً عن النحوية, على أن الأحاديث دُوِّّنتْ في الصدر الأول قبل فساد اللغة, فغايتُه إبدالُ لفظ يحتجُّ به , بآخرَ كذلك، وبعد تدوينها لا يجوز تبديلها بلا خلاف كما قاله ابن الصلاح , فبقي الحديثُ حجةً في بابه"
حاشية الخضري 1/ 106.
/// وأما قولك أخي الفاضل بأن أغلب رواة الحديث مولدون فأرجو منك أن تدلني مشكورا على بحث أو كتاب تناول هذه المسألة وخرج منها بهذه النتيجة.
وجزاكم الله خير الجزاء
ـ[أبو حاتم بن عاشور]ــــــــ[28 - Sep-2009, مساء 04:14]ـ
بارك الله فيكم.
لم أذكر رأيي في ما سلف من القول؛ وإنما أردتُّ التنبيه على بعض أصول الاحتجاجِ قبل الحُكْم.
وأنا أذكرُ الآنَ شيئًا من ذلك.
1 - أردتُّ بقصر الاحتجاج على ما رواه أهل اللغة من الأحاديث، ما نقلَه لنا المتقدِّمون منهم، كأبي عبيد، وابن قتيبة، وأبي إسحاق الحربيِّ، وأصحاب المُعجمات؛ إذْ كانوا أعلمَ بها، وأضبطَ لها، وأبعدَ من التغيير، والتحريف فيها من غيرِهم، على ألا يكون الحديث موضوعًا، أو ذا ضعف شديد.
جزاكم الله خيرا أستاذي, وأرجو ألا تضجر من كثرة مداخلاتي, فنحن نتناقش في أمر علمي يحتاج إلى الأخذ والرد بطبيعة الحال.
/// هل كل مارواه أهل اللغة من الأحاديث يعتمد عليه؟؟ حقيقة أشك في هذا, فثمة أحاديث وردت في كتب النحاة لم يسمع بها أرباب الحديث رغم شهرتها وكثرتها في كتب النحاة, انظر أخي على سبيل المثال لا الحصر حديث (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) قال عنه على القاري: "اشتهر في كلام الأصوليين, وأصحاب المعاني, وأهل العربية, فبعضهم يرويه عن عمر, وبعضهم يرفعه, قال السخاوي ورأيت بخط شيخنا -يعني العسقلاني- أنه ظفر به في (مشكل الحديث) لابن قتيبة, ولم يذكر له ابن قتيبة سندا ... وقال السبكي في (شرح التلخيص) لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث, لا مرفوعا, ولا موقوفا, ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن عمر مع شدة التفحص عنه. وقال الشمني في (حاشية المغني) عن والده أنه رأى بخطه ما صورته: رأيت الحافظ أبا بكر بن العربي نسبه إلى عمر بن الخطاب, إلا أنه لم يبد له إسنادا. وقال العراقي: لا أصل لهذا الحديث, ولم أقف له على إسناده قط في شيء من كتب الحديث, وبعض النحاة ينسبونه إلى عمر بن الخطاب من قوله, ولم أر إسنادا إلى عمر ... وقال الزركشي: لا أصل لهذا الحديث ... وقال الحافظ السيوطي في (شرح نظم التلخيص): كثر سؤال الناس عن حديث (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) ونسبه بعضهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبه ابن مالك في (شرح الكافية) وغيره إلى عمر, قال الشيخ بهاء الدين السبكي لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعا ولا موقوفا لا عن عمر ولا عن غيره مع شدة التفحص عنه. انتهى ... " الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة صـ 372, 373
¥