ونص ابن الأنباري على ذلك في شروط نقل اللغة، فقال: " ... ، ويقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره؛ لأن الموافقة لا تخلو: إما أن تشترط لحصول العلم أو لغلبة الظن، بطل أن يقال لحصول العلم؛ لأنه لا يحصل العلم بنقل اثنين، فوجب أن يكون لغلبة الظن، وإذا كان لغلبة الظن فقد حصل غلبة الظن بخبر الواحد من غير موافقة" ([15] ( http://majles.alukah.net/#_ftn15)).

وقد نص علماء الحديث على هذا الأصل في مواضع من كتبهم ([16] ( http://majles.alukah.net/#_ftn16))، فليس الأمر على ما ذكره المانعون من أن الرواية بالمعنى قد أدت إلى ارتفاع الوثوق بالأحاديث عند أئمة اللغة والنحو، بل أرجو ألا أكون مخطئا إذا قلتُ: إنهم لم يشيروا إليه، فهذه آثارهم بين أيدينا، فأين ما قالوه، وما نسب إليهم، بل غاية ما في الأمر أنه قول المانعين، حيث اجتهدوا في تفسير موقفهم الغامض من الاستدلال بالحديث، فقالوا ما قالوه، ونسبوه إلى النحاة الأول، وأظن أنهم برآء منه.

وفي السطور التالية سوف أذكر بعون الوهاب ما انتهيت إليه من أدلة تبرئ النحاة الأول مما نسب إليهم من تركهم الاستدلال بالحديث؛ لأنه مروي بالمعنى:

أ - لم يصرح أئمة النحاة بذلك. علمنا مما سبق أن هذا التعليل هو قول ابن الضائع وأبي حيان، وأن النحاة لم يصرحوا به، "ولم يشيروا إليه لا من قريب ولا من بعيد، ولذلك اختلف المتأخرون في تعليل ذلك، وافترضوا عللا من عند أنفسهم" ([17] ( http://majles.alukah.net/#_ftn17))؛ فلا يصح إذا نسبة هذا القول إلى أوائل النحاة.

ب - عدم ذكر المسألة في الخلاف بين المدرستين. فلم تنقل لنا الكتب التي عنيت بذكر الخلاف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة أي شيء عن مسألة الاستدلال بالحديث، بله الرواية بالمعنى، وهذا يعني أنهم متفقون على ترك الاستدلال بالحديث، أو على قبول الاستدلال بالحديث، والأول لا يصح عنهم لما نقل من استدلالهم بالحديث، فلزم القول الثاني، والله أعلم.

ت - جواز الاستدلال بالحديث هو الأصل، وعلى القائلين بالمنع أن يأتوا بالدليل، فهم مطالبون أولا بتثبيت أنهم لا يستدلون بالحديث في بناء القواعد النحوية، وهذا غير حاصل؛ لاستدلال النحاة الأول بالحديث على قلة, ثم إنهم مطالبون ثانيا بإثبات أنهم تركوا الاستدلال بالحديث من أجل روايته بالمعنى، وأنَّى لهم أن يأتوا بذلك، وهذه كتبهم بين أيدينا لم تشر إلى ما فهمه المانعون.

ث - تأليفهم لكتب غريب الحديث. حيث ألف كثير من أئمة النحاة كتبا في غريب الحديث، منهم أبو زيد الأنصاري ([18] ( http://majles.alukah.net/#_ftn18))، والأخفش ([19] ( http://majles.alukah.net/#_ftn19))، والفراء ([20] ( http://majles.alukah.net/#_ftn20))، والمبرد ([21] ( http://majles.alukah.net/#_ftn21))، وغيرهم الكثير ([22] ( http://majles.alukah.net/#_ftn22))، حتى وصل عددها في نهاية القرن الرابع الهجري إلى ما يقرب من ستين كتابا ورسالة ([23] ( http://majles.alukah.net/#_ftn23))، فكيف يصنفون هذا العدد، وهم يعتقدون أن هذه الأحاديث مروية بالمعنى؟! ولماذا لم يصرح أحدهم بما يضمرون في صدورهم تجاه الحديث؟ ولماذا يتعبون أنفسهم ويهدرون أوقاتهم في تفسير كلام الرواة الذين يروون بالمعنى، حتى إن كثيرا منهم قد يُسأل عن لفظة فلا يعرفها، ويصرح بذلك، وكان الأولى أن يتهم الرواة الذين أتوا بما لا يُعرف، وهم سدنة اللغة، وأساطين النحو.

ج - سؤالات المحدثين والنحاة عن معاني الحديث وإعرابه. فقد نُقِلَ إلينا أن كثيرا من المحدثين وأهل اللغة كانوا يسألون النحاة عن معاني الحديث وإعرابه، ومع ذلك لم يُنقل إلينا قولٌ واحد يفيد بأن أحدهم تعلل بالرواية بالمعنى، وانظروا على سبيل المثال كتاب (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام، حيث نراه يكثر من سؤالاته لأبي عمرو بن العلاء، والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، والكسائي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى عن الأحاديث النبوية ومعانيها، وقد يجيب أحدهم بأن هذه اللفظة من الحديث لا يعرف له معنى، أو أن الذي يعرفه عنها كذا، وقد يجتمع على عدم معرفة معنى جماعةٌ منهم، وكل ذلك بما لا يقدح في الحديث ( http://majles.alukah.net/#_ftn24)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015