بينما ذهب المانعون من الاستدلال بالحديث في بناء القواعد النحوية إلى أن وقوع الرواية بالمعنى قد أدى إلى عدم وثوقهم بأن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وبذا علموا يقينا أنه (ص) لم يلفظ بجميع الألفاظ الواردة في الأحاديث، وأن الرواة أتت بالمرادف، ولم تأتِ بلفظه؛ إذ المعنى هو المطلوب عندهم، ولا سيما مع تقادم السماع, وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا ([7] ( http://majles.alukah.net/#_ftn7))، وتابعهم بعض المعاصرين في ذلك، فجعلوا "من المعروف المستفيض أن الحديث النبوي الذي وصل إلينا ليس كله كلام الرسول (ص) لفظا، ولكنه كلامه معنى ([8] ( http://majles.alukah.net/#_ftn8))، وقد ضربوا لذلك أمثلة من الحديث النبوي، منها اختلاف روايات حديث (يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل، وملائكة في النهار)، وأنه مثال للروايات المختلفة في نص الحديث؛ حتى ليحار النحوي بأي صورة يأخذ ([9] ( http://majles.alukah.net/#_ftn9)).

وفي المقابل ذهب آخرون إلى أن الصورة ليست بهذه القتامة، وأن كثيرا من الروايات التي حكم عليها المانعون أنها مروية بالمعنى ليست إلا لغة من لغات العرب قليلة الاستعمال، أو من بقايا الظواهر اللغوية المدروسة، وخير شاهد على ذلك (لغة يتعاقبون) والتي أثبتت الدراسات الحديثة أن "هذه الظاهرة هي الأصل في اللغات السامية، ففي اللغة العبرية (فماتا كلاهما محلون وكليون)، وكذلك (لا يقومون الأشرار بالعدل)، وفي الآرامية (لئلا يزنوا الآخرون بامرأتك)، وفي الحبشية (فعادوا الشعوب)، وفيها كذلك (وكثروا أطفالهم)، وتعد هذه الظاهرة من الركام اللغوي، أي من بقايا الظواهر اللغوية المندثرة، حيث لا تمحى الظاهرة القديمة دفعة واحدة، بل يتبقى منها بعض الأمثلة التي تبرهن على وجودها على الرغم من اندثارها" ([10] ( http://majles.alukah.net/#_ftn10)).

وعليه فلا يلزم من تعدد الروايات أن نترك الاستدلال بالحديث لأدنى شبهة تعرض في المتن؛ لأن الأصل أن هذه الروايات من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حتى يثبت لدينا أنها من كلام الرواة، وقد قرر هذا الأصل غير واحد من العلماء، مع تسليمهم بوقوع الرواية بالمعنى، ومن هؤلاء الدهلوي، حيث قال: "وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برءوس المعاني دون الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية، كاستدلالهم بنحو الفاء والواو، وتقديم كلمة وتأخيرها، ونحو ذلك من التعمق، وكثيرا ما يعبر الراوي الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر، والحق أن كل ما يأتي به الراوي فظاهره أنه كلام النبي (ص)، فإن ظهر دليل آخر، وجب المصير إليه ... " ([11] ( http://majles.alukah.net/#_ftn11)). وأشار العلامة ابن خلدون في كلامه النفيس أن "غلبة الظن هي مناط الأحكام الشرعية كلها، وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب، فليس اليقين مطلوبا في شيء من ذلك، وهذا الذي عليه كافة العلماء في أن أكثر مدارك الأحكام ظنية، وإذا غلب الظن أن صيغ هذه الأحاديث والكلمات المنقولة لم تبدل، كان ذلك كافيا في صحة الاستدلال بها ... " ([12] ( http://majles.alukah.net/#_ftn12)).

وتابعه في ذلك جل النحاة المجيزين للاستدلال بالحديث في بناء القواعد النحوية ([13] ( http://majles.alukah.net/#_ftn13))، فغلبة الظن هي المطلوب في كل مسائل اللغة، وإذا طلبنا اليقين في ذلك لأصابنا العنتُ، ولشق ذلك على النحاة أولهم وآخرهم، وقد أجاب ابن مضاء على من قال: ل"ا يثبت شيء في اللسان بالظن". فقال له: أما ما لا حاجة تدعو إليه فلا يثبت إلا بدليل قطعي، وأما ما يحتاج إليه مثل ألفاظ اللغة، فإنها إذا نقلها الثقات قُبِلَت، وإن كانت مظنونة، وكذلك غيرها مما تدعو الحاجة إليه" ([14] ( http://majles.alukah.net/#_ftn14)).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015