وفسرها النبيء هنا بخمس مفردات، قد يصعب على المرء أن يستجمع النظر إليها في صورة واحدة بغير هذه الطريقة: [1] (السبيل): الصراط المستقيم: الإيمان والعمل الصالح. [ومعنى هذه المفردة مستوحًى من تمثيل الحديث رقم (1)]. و [2] (الإنسان): الفقير والضعيف والخادم أولاً، الذي إذا غاب لم يفتقد، وإذا حضر لا يُؤبَهُ له؛ لأنه سبب النصر والرزق، الإنسان في كيانه بطموحاته وأشواقه. و [3] (الأعراض): السبُل: غوائل الطريق وآفات المستقبل ومتاهات الرحلة. و [4] (الأجل): العُمْر، المعلوم منذ أول نفخة روح إلى آخر زفرة نفس، و [5] (الأمل): المنتظر من المستقبل والطموح، وما كل مأمول مُدْرَك، وما أضيق العيش بلا فسحته!. [المفردات من [2] إلى [5] من تمثيلات الحديث رقم (2)].
إنها خطوط تشكّل الطريق القويم إلى الله بكلّ أبعاده؛ الحلال والحرام، الداخل والخارج، الشرع والقدر، الحقيقة والأباطيل، الممكن والمستحيل. فإذا عرف الإنسان ما له وما عليه، وإذا عرف مجاله طار على متن فرسه، إذا سمع هَيْعة (نداءً)، ولحق بالغاية، دون ما التفات إلى بُنَيّات الطريق.
وأما السبب الداعي إلى هذا البيان: فهو الحيرة التي تكتنف الإنسان في حياته، والأسئلة اليومية التي تأتي مع طلعة كلّ شمس، فتُورثه الهموم والأحزان. ولا أحسب هؤلاء الصحب الكرام كانوا حَيارى أو حزانى، بالمعنى المتبادر إلى عقلية عصرنا، أو خلت أذهانهم من هذه المفردات، ولكنّها الرحلةُ إلى الغَدِ، لا يسلم فيها المرء، مهما بلغ علمه وذكاؤه، من أن تصيبه صوارف الدنيا وطول الأمل وعثرات الخُطَا؛ إذا لم تنتظم تلك المفردات أمامه كلّ حين.
ومضى البيان، وبقيت صورة تلك الأشكال، تُلهم المتأمل كلما أعاد فيها النظَر.
و (استطراداً) صرنا نسمع في هذا العصر حديثاً ملوّناً عن الخطوط: "الخطوط الحمراء"، و"الخطوط العريضة"، و"تجاوز الخط"، و"البقاء" فيه أو دونه أو "النوم" فيه أحياناً!، متلازماً مع "البطاقة الخضراء"؛ حتى كأنّ الحياة أمران: خطوط وبطاقات. ويُفهم من "الخطوط الحمراء" أول الأمر أنها أشياء، كالتي حكم الله تعالى بها على السامريّ، بعد إضلاله بني إسرائيل، في غيبة موسى u، أو التي جعلها النبيء r من الموبقات المهلكات، ولكن الذائقة اللغوية لا تفتأ تعيد النظر في هذا التركيب؛ لفهم نسبته وأصله، وتستقرئ الخطوط والتشكيلات والبطاقات والمناطق ... ، والألوان المتعلقة بها، والفروق اللغوية والثقافية والجوامع التي نشأت منها، ومن نعم الله أن نهتديَ إلى شيء من أجمل خطوط الدنيا والآخرة وبطاقاتهما، وهي التي استُفتِح بها القول.
والناس في غرب الأرض يدركون معنى التشبيه من هذا التركيب؛ لأنه منتزع من واقعهم ومحيطهم، رائج في حياتهم اليومية بدلالات وأعماق، وهم مشاركون فاعلون في القانون الذي فرع ألوان الحياة إلى خُضرة وحُمرة وصُفرة؛ فعنده (بطاقة خضراء) يسرح بها ويمرح ويجتاز في داخل (المناطق الخضراء)، وعنده (خط أحمر) أو خطوط حمراء، لا يقربها مدى العمر، وإلا اقتيد اقتياد الشارد العقور، ولا تلازمَ لغويّاً بين كلمة (خط: Line) وكلمة (بطاقة: Card)، بقدر ما كان التلازم بين (الأحمر) و (الأخضر)، تلازماً لا يكون في كلّ صورة؛ لجواز أن يكون الأخضر فساداً والأحمر وروداً.
ودلالة هذه الخطوط على المنع أو التوقّف أو الخطر أو الطرد أو الموت؛ بسبب لونها الأحمر، الذي يراه المارّ في الطريق، وعلى أبواب غرف العناية، ومكاتب المديرين المشغولين جدّاً ... ولو كان التعبير بالإشارة الحمراء لكانت تلك الذائقة اللغوية ترتاح وتريح؛ لأن معها الإشارة الخضراء والصفراء، في صفّ واحد، وينضبط الباب على وتيرة واحدة، ويكون تشبيهاً بليغاً محذوف الأداة، والمعنى: أن دخول هذا الأمر ممنوع امتناع المرور أو الدخول .. ؛ لكن ذلك لم يكن.
ولو كان ذلك راجعاً إلى القلم ذي الخط الأحمر، الذي يستعمله المعلم في التصحيح، لكان الأمر أيسر، ولكن ذلك القلم لا يجري بمداده إلا بعد كتابة التلميذ، ولا يخطر ببال التلميذ أنه يكتب لأن أمامه خطّاً أحمرَ؛ فالتحذير المفهوم من عبارة "الخطّ الأحمر"، فيكون سابقاً على المحظور، لا لاحقاً.
وكذلك الأمر في الخط الأحمر الذي يظهره الحاسوب للكاتب، إذا كتب كلمة غير داخلة في معجمه (قاموسه)، حتى تضاف إليه أو تصحّح؛ فهو لاحق أيضاً.
¥