وكذا الأمر في أقلام لجان الرقابة الصّحافية والرقابة على نشر الكتب، والتي أظنها من ذوات اللون الأحمر، وليس بجامع التدريب.
ورأيت أن من رسموا خرائط (أو خُطَط) الدُّوَل المتبدّلة مع التاريخ جعلوا أحياناً الحدود الفاصلة بين تلك البقاع ذاتَ حبر أحمر، فإذا عدا بعضها على بعض كان ذلك خرقاً للقانون وموجباً للحرب، وجعلوا للقناصل والسفراء بطاقات خضراء (جوازات دبلوماسية)، يُحمَلون بها في البر والبحر، فيرقعون الخروق، ويوقفون كلاًّ دون خطوط حدوده لا يتجاوزها.
ورحم الله الشاعر أحمد شوقي، فقد جعل، في يناير سنة 1926م، لـ"الحرية الحمراء"، باباً يجب أن لا يوقف دونه، بل تُهراق أمامه الدماء، حتى يُفتح. (ديوان شوقي؛ نكبة دمشق1/ 348، وفي رثاء عمر المختار2/ 344)
ويقتضي مفهوم المخالفة أن يُباح التمتع ببقية الألوان: الزرقاء والكَحْلاء والخضراء والبيضاء (المصحّح)، وذوات الألوان الفسفورية الشفيفة، وتأييد الأقلام ببطاقات ملوّنة بألوانها، ولأنّ الأصل في الألوان الإباحة!. فكم نحن بحاجة– في حياتنا- إلى فهم هذه الألوان!.
(عَوْد) غير أن هذه الخطوط الحمراء والخضراء وغيرها من الألوان البراقة الخلابة للعين دون العقل- صارت تنسرب في حياتنا المعاصرة، وأما المعارف المستجلبة بتلك المفردات النبوية المذكورة في " حديث الخطوط ": [الإنسان والسبيل والأعراض والأجل والأمل]، المرسومة أمثلتها بعود من أراك، المحفورة على تراب الأرض، المتجردة عن الألوان، المتلقاة من بسطاء الناس وعباقرتهم، المحيطة بمعاني الحياة الهادية .. أما تلك المعاني فما بقي منها إلا الأعراض الملهية والآمال الكاذبة. وكم نحن وإياهم بحاجة إلى فهم تلك المعاني.
* * * * *
*الخط: الرسم والشكل، والمربّع: المستوي الزوايا. والعرَض: ما يُنتفَع به في الدنيا في الخير وفي الشرّ. ونهشه: أصابه؛ وعبر بالنهش، وهو لدغ ذات السمّ، مبالغة في الإصابة والإهلاك". قال ابن حجر في الفتح: "وفي الحديث إشارة إلى الحضّ على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل".
(1) مخرج في سنن ابن ماجه؛ باب اتباع السنة، وسنن الدارمي؛ باب تغيّر الزمان وما يحدث فيه، ومسند أحمد (مسند عبدالله بن مسعود ومسند جابر بن عبدالله)، وصحيح ابن حبان؛ باب الاعتصام بالسنة، ومستدرك الحاكم؛ كتاب التفسير. وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(2) مخرج في صحيح البخاري؛ كتاب الرقاق، وسنن ابن ماجه؛ كتاب الزهد، وسنن الدارمي؛ كتاب الرقاق؛ باب الأمل والأجل. وفي رواية ابن ماجة: [فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: "الله ورسولُه أعلم". قال: "هذا الإنسانُ .. "].
وفي البخاري أيضاً عن أنس قال: "خطّ النبيءُ r خطوطاً، فقال: "هذا الأملُ، وهذا أجلُه، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخطُّ الأقربُ".
megresy@yahoo.com (megresy@yahoo.com)
مقال منشور في موقع المنارة وموقع جيل ليبيا 6/ 2009