من لغة الخطوط

ـ[عصام عبدالله]ــــــــ[29 - Jul-2009, مساء 01:39]ـ

من لغة الخطوط

(1) عن عبد الله بن مسعود، قال: خطّ لنا رسول الله r يوماً خطّاً، ثم قال: "هذا سبيلُ الله"، ثمّ خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبُل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا:) وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله (الأنعام. (1)

(2) وعنه أيضاً عن النبيء r؛ قال: خطّ النبيء r خطّاً مربّعاً، وخطّ خطّاً في الوسط خارجاً منه، وخطّ خُطُطاً صغاراً، إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: "هذا الإنسان، وهذا أجلُه محيط به، أو: قد أحاط به، وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذه الخُطُط الصغارُ الأعراضُ، فإن أخطأه هذا نهَشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا". (2) *

اعتاد المعلّمون أن يفسروا لتلاميذهم صورة غائبةً أو عسيرة على الأفهام بطرق متنوعة، منها هذا الذي كان النبيء الكريم r يرسمه لأصحابه، على سبيل التعليم والشرح والبيان، وهو من أجلّ طرق التعليم، ومن أشرف وسائله.

المستقيم والمثلث والمربع والدائرة أشكالٌ هندسيّة متنوعة، وهي من أقرب الإشارات إلى صورة الحياة؛ لأنها تخاطب العينَ قبل العقل، من الخطوط المتشكّلة حُروفاً؛ لأنها تخاطب الأذن والعقل بكلمات تشير إلى تصورات أو نِسَب ذهنية معهودة أو حاضرة. وقيل: "بالمثال يتضح المقال"، و"صورة أبلغ من ألف كلمة". والنبيء r لم يستغنِ تماماً عن المقال، فقد وظّفه توظيفاً شجيّاً بليغاً، ليجمعه بالمثال معاً؛ على عادته r في استلهام جوامع الكلم والحكم. وذلك هدْي القرآن، يُوجّهُ أنظار الناس إلى مفردات الكَوْن، لينشئوا علاقات ذهنية بينها، ويسخلصوا منها المعاني والعلوم، قال U: ) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم (و) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (.

والأمثال القرآنية والنبويّة يتطلب فقهُها استجماعاً زائداً لقدرات العقل، قال U: ) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (.

هذا بيان تشكيلي، وصّل به النبيء هذا المعنى لمخاطَبيه، وهو كالمحاضرة المباشرة بدليل الفعل: (خَطّ .. )، فكُلّ طرَف من أطراف العملية التعليمية: المعلّم والمتعلّم، والرسالة، ومقتضى الحال، حاضر حضوراً مقصوداً، ومشارك فيها مشاركة فاعلة. والمحاضرة: وهي الأسلوب العلمي الذي أقرته جامعات الدنيا، تقتضي المشاركة ابتداء من حضور الذهن، إلى استحضار المسائل والأمثلة والوسائل والاختبارات والمناقشات وهلم جرّاً، وهل نقول: المحاضرة لبنة من لبنات الحضارة؟. والحقّ ضرب هذا الشكل المنظور مثلاً هنا أكثر حضوراً وإيحاءً، وأنه أبلغ من محاضرة، فهو شرح طليق، لا يعرف قاعة ولا مختبراً ولا مركز بحوث ولا مراحل تعليمية!. لقد كان شربةً كوثريّة هنيئة، لا يظمأ السامع بعدها إلى مثلها.

المعلم: النبيء r، في بيته أو لعله كان على حصباء مسجده أو جانب منبره، أو جانب نخلة من سواريه،.

والمتعلم: كثير حوله من الصحابة الذين فتحوا الدنيا، نكتفي منهم بثلاثة: الأول: عبد الله بن مسعود t، رجل غريب من هُذَيْل، رُوَيْعي أغنام، ضعيفُ البنية؛ لا يقوى على الصيام، لكنه وعاءٌ مُلِئ علماً، ومن أوائل الناس إسلاماً، وقد نُقل عنه الحديث بروايات مختلفة الألفاظ والمعاني والمواقف؛ لكثرة ما سمعه، ففقِهه، ولكثرة ما علّمه لأصحابه الكوفيين. والثاني: جابر بن عبدالله t، فقيرٌ عالم، ابن مجاهد شهيدٍ، ووصيّه على أخواته الضعيفات، وروى الحديث أيضاً، والثالث: أنس بن مالك t خادم النبيء، صحابيّ صغير، لكنه كان محط نظر الرسول r، فأدرك ما أدركه الصحابي الكبير، بالحضور الفطريّ.

وقد امتزج المعلم والمتعلم امتزاجاً (علميّاً) تاماً، كالسكَّر بالماء والأنفاس بالهواء؛ لأن المعاني المستوحاة متواصلة بينهما تواصلاً بالغاً.

والرسالة النبوية هنا: خطاب تمثيليّ بديع، يجعل الخطوط تشير إلى أشكال، والأشكال تختزن معاني واسعة شاملة عميقة، وقد تتجلى تلك المعاني في أشكال مختلفة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015