10) إن هذه الطريقة قد أشبهت في كثير من تقاسيمها الشكلية والموضوعية تقاسيم الكتب العلمية المنثورة، فكان منها مختصرات ومطولات وسائط، وكان منها وجيز ومطنب، وكان لكل منها أسلوبه. وإن القواعد العلمية في المنظومات هي هي القواعد التي كانت في كتب النحو المنثورة، إلا أن اختصار صياغتها وضرورات الوزن والقافية قد جعلت مرتبتها تلي مرتبة الكتب المنثورة من جهة، وجعلت مرتبتها تأتي الأولى من جهة مزية الحفظ. وإن هذا النوع من التأليف هو من النوع المركب المعقد لا البسيط السهل، وقوته تكمن في ذلك التركيب والتعقيد. فالمنظومة كتاب ألّف؛ ليشرحه كتاب آخر، ويبقى نصّ المنظومة ونصّ شرحها مفتوحاً لكل قارئ؛ ليشرح أو يعلّق عليه أو يقرّر أو يوسع فيه؛ كما يشاء من بعد.
11) قد تكون الثقافة مرت أحياناً بأطوار من الارتقاء والهبوط، أو من المدّ والجزر، أو من الاتساع والضيق؛ ولكن المنظومات والشروح والحواشي، من حيث هي منظومات وشروح وحواشٍ، لم تكن هي، وحدها، أسباب كلّ ذلك. وإن المنظومات والشروح والحواشي هي، كأيّ كتاب مؤَلَّف، وسيلة من وسائل الفهم، وعلوق العلوم في الأذهان، واستجماع حقيقة المعارف المتشعّبة في موضع واحد مبين .. إن هذه الظاهرة التأليفية ليست وحدها في مجال طرق التأليف العلمي، بل هي طريقة واحدة من عشرات الطرق، استخدمها المؤلفون منذ ظهورها الواسع والقديم في رسم حقائق العلوم والمعارف؛ فمن الخطأ العريض المستظهر أن يُحمل قصور طالب عن ملكة التصرف في العلم على طريقة واحدة دون غيرها من الطرق المعمول بها والشائعة والقديمة في التعليم، من غير ما سبب ولا نسب.
* * *
وينبغي في نهاية هذا البحث النظر في خمسة أمور، أرجو أن تكون مفيدة لطلاب النحو ومعلميه على مدى الأيام القابلة من أيام نهضة الثقافة المرجوة لهذه الأمة:
? أن يكون النظم العلمي وسيلة واحدة من وسائل التعليم والحفظ: وإن الكتاب وحده- على بالغ أهميته- لا يفي بتعليم المتعلم كل تلك المهارات الحيوية للغة، فكيف إذا كان ذلك الكتاب مختصراً، وكان مع اختصاره منظوماً، وكان مع نظمه واختصاره لمّاحاً، وكان مع نظمه واختصاره وتلميحه مقدماً إلى المبتدئين والشادين .. ومن الحيف أن تتحمل هذه الطريقة وحدها تبعة تحفيظ الطلاب وتفهيمهم وجعلهم يحسنون الاستماع والتحدث .. فالكلمة أحياناً أقوى من الصورة، والبيت أحياناً أوجز في الدلالة على المقصود. وما زلنا نرى أن إلقاء بيت فيه قاعدة جامعة، بعد شرح الدرس، ليثير ارتياح الطلاب إلى أن ما كثر تفصيله في أثناء الدرس قد قيّد لهم في قاعدة واحدة، وأن تلك القاعدة قد ضمنت في بيت واحد، أو بيتين، بدلاً من أن يستغرقوا في حفظها الأسطر ذوات العدد، من غير إيقاع وزن، ولا ترنم قافية.
إن نظام التعليم والتدريس- في هذا العصر- يحتاج، ضمن ما يحتاج، في إعداد الكتاب التعليمي المنهجي، إلى هذه الطريقة، لأنها طريقة تحفيظية بامتياز. وذلك لتحقيق جانب حفظ المعلومة وعلوقها في ذهن الطالب بسلاسة وذكاء، ومن أسباب ذلك العلوق أن تعلق في الذهن في شكل بيت ذي وزن وقافية، كما تعلق معلومات كثيرة أخرى في الأذهان والأفهام في شكل صورة أو رسم أو أحجية أو نشيد أو قصة أو غير ذلك من الطرائق الذكية. وما زالت طرق التدريس الحديثة تدعو إلى التخفف من القواعد المنثورة الجامدة، وتدعو إلى النحو "الوظيفي" وتنمية التذوق والاكتشاف والتطبيق استجابةً لضعف التلاميذ في استخدام القواعد، وتدعو إلى استخدام السبورة والتلفاز والمذياع والخيالة (السينما) والقصص والمسرحيات والأناشيد، وتدعو إلى استخدام شبكة المعلومات والرحلات والصُّور والنماذج المرسومة والجداول المنمقة والعينات الملتقطة. ()
? ترتيب علم النحو بما يناسب حاجة الطلاب: إن النحو- في ترتيب أئمة التعليم القدامى- يقع في أول درجات سلّم علوم العربية والإسلام، أو يقع منافساً للقراءات والفقه في ذلك السلم؛ إذ النحو أولى ما يقرأ ويلتمس ..
وإن النحو من أصعب العلوم العربية؛ لما فيه من التركيب والترابط والتفاصيل .. وإن كتب النحو من أصعب الكتب ترتيباً وتبويباً، واختلاطاً بين المجملات والمفصّلات والكليات والجزئيات، والفروع والأصول، والأهم والمهم.
¥