4) إن الثقافة العربية الإسلامية قد احتفلت بهذا النوع احتفالاً كبيراً، وشاعت فيها شيوعاً كبيراً، وانتشرت فيها انتشاراً واسعاً، وتشعّبت فيها تشعّباً شمل أكثر علومها ومعارفها، وأن هذه الطريقة العلمية لم تكن طريقة خفية من طرائق التأليف، بل بلغت مبلغ "الظاهرة"، التي برزت كغيرها من ظواهر التأليف، كظاهرة الشعر وظاهرة الخطابة وظاهرة المقامات وظاهرة الرسائل وظاهرة الكتب العلمية المنثورة.

5) مرّ النظم العلمي في تاريخه العربي الإسلامي بأعصر ثلاثة، هي: عصر الريادة، ويبدأ من بعد منتصف القرن الثاني للهجرة، وعصر الذروة، ويبدأ من القرن الرابع، وعصر الاستقرار، ويبدأ من القرن الحادي عشر.

6) إن نظام التعليم في القرون السالفة، منذ القرن الثاني الهجري، إلى هذا القرن الحاضر (على استحياء)، مازال يتعاطى- فيما يتعاطى من طرائق التعليم- هذا النوع من التأليف في تدريس العلوم، على اختلاف مجالاتها وآفاقها وأعماقها؛ وعلى نسب بعيدة في الكثرة والقلة، وإن أعظم مقاصد التعليم بهذه الطريقة هي حفظ المادة العلمية في الذهن أطول زمن ممكن؛ بسلاسة، واستحضارها وقت الحاجة إليها؛ على عجل، وأن هذا المقصد مقدَّم له بالفهم لتلك المادة الذي قد يتأتى غالباً من كتاب منثور، أو من شرح ميسور، وإن ما دعا إلى سلوك ذلك المسلك الوعر ابتداء، والسهل انتهاء، أسباب منها: كثرة التفاصيل التي تفرعت إليها العلوم، وتقبل العقلية العربية لحفظ الشعر أكثر من تقبلها لحفظ النثر، وأن النثر مقرون عندهم بالمعقولات والفهم، والشعر بما يعلق في القلوب والأذهان.

7) إن النظم العلميّ من قبل البحث ومن بعده ما هو إلا وسيلة .. كالشعر والمقالة وغيرها من وسائل التعبير .. وقد أحسن استخدام هذه الوسيلة التعليمية حيناً .. وأسيئ استخدامها حيناً، ومن الظلم للوسيلة أن تتحمل جريرة المستعمِل في كلّ حال، وإنما يعظم السيف بقدر حامله، ويسبق الجواد بمروءة فارسه!.

8) إن أغلب المنظومات قد صارت عُمَداً للفنون والعلوم التي وضعت فيها، وقامت عليها شروح وحواش وشواهد وتعليقات وردود ومناقشات، واعتمدها الأعلام في حلقاتهم وإجازاتهم وإحالتهم، وحصلت بها الكفاية، وإلا .. فما القراءات بغير "الشاطبيّة"؟، وما التجويدُ بغير "التُّحفة" و"الجَزَرِيّة"؟، وما النحو بغير "الألفيّة" و"الحاجِبِيّة"؟، وما المواريث بغير "الرَّحْبيّة" و"السِّراجيّة"؟، وما الأصول بغير "الوَرَقات" و"الْمَرَاقي"؟، وما المصطلح بغير "البَيْقونِيّة" و"ألفيّة العِراقي"؟، وما المنطق بغير "السُّلَّم"؟، وما الأحكام بغير "تُحْفة" ابن عاصم؟! ..

9) إن بنية المنظومة العلمية أشبهت بنية كل الكتب، في انقسامها إلى مقدمة ومقصود وخاتمة، إلا أنها فارقت الكتب المنثورة في أنها لمّاحة الإشارة سريعة التنقّل ذكية الاكتفاء، وهي أحياناً ضيقة العطَن مرموزة الدلالة عسرة البيان. وما ذلك إلا لأنها جمعت بين متفرقين، ويسّرت بين عسيرين، وألّفت بين متصارمين؛ هما: الشعر والعلم، وأن قِوام هذه المنظومة العلمية احتوى ثلاثة عناصر: عنصراً من الشعر، وهو الوزن والقافية، وعنصراً من العلم، وهو القواعد العلمية، وعنصراً لدى الناظم، وهو الصياغة، فأذن ذلك ببزوغ مظهر جديد من مظاهر التأليف العلمي البديع. وأن كثيراً من المنظومات قد ارتقت في اختيار الوزن المناسب لهذا الغرض من التأليف، فاختارت في أغلبها وزن بحر الرجز، وهو الوزن السهل القريب ... ، وأفلحت في اختيار القافية المناسبة، فاختارت القافية المزدوجة أو المشطرة، فكان اختيار المركب الخفيف من الوزن والقافية؛ ليحمل ذلك ما ثقل صوغه من القواعد العلمية الكثيرة، وأن كثيراً من المنظومات قد جادت صياغتها، وكان لها أسلوب فريد في صوغ القواعد، كأسلوب الشعر؛ في الاختزال والاختصار والإشارة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015