ب. اتخاذ علم النحو مناطاً للبحث، وهو قسيم الصرف، ويرادف الإعراب، وهو معرفة أحكام أواخر الكلم، لتغير العوامل. وكان هذا الاحتراز ليخرج بذلك قسيمه: علم الصرف وغيره، مما قد يحسب نحواً من علوم العربية .. وذلك أن اختصاص هذا العلم (علم النحو؛ بمعناه الاحترازي) الذي عيّنتُه بالذكر يؤدي غرض هذه الدراسة، بأن يكون (عيّنة مختارة) دالة على غيرها من العلوم، إذا أردنا دقة النظرة، وصدقَ النتائج، وإذا أردنا تعميم الحكم ..

ج. الابتعاد عن شرح تفاصيل قواعد هذا العلم، ونحوَ ذلك مما له مظانه المشهورة من المنظومات وغيرها وشروحها المذكورة، التي كثرت عدداً، وأوفت بذلك مقصداً؛ إلا إذا لم أجد من ذلك بدّاً ..

* * *

اعترضت طريق هذا البحث صعوبات، تجلت في فقدان كثير من المنظومات النحوية، التي ذكرتها كتب الفهارس والأثبات والمشيخات ونحوها. وفي بقاء كثير من الموجود منها مخطوطاً في كثير من مكتبات الدنيا، دون طباعة ونشر. وفي خفاء كثير من تلك المنظومات المخطوطة في مجاميع المخطوطات، فتجد المجموع أحياناً يضمّ في طواياه كتباً كثيرة، وقد تكون غير مدرجة في فهارس المكتبات، لسهو أو غفلة أو لتداخل أوراق الكتب بعضها في بعض، أو غير ذلك من ضروب معاناة الكتب المخطوطة. وفي تعسّر الوصول إلى كثير من تلك الكتب التي طبعت، إما لبعد الشُّقة، وإما لقلة عدد النسخ المطبوعة، وفي سوء طباعة كثير منها، وضَعف تحقيقه، ورداءة إخراجه.

ومن ذلك أن منظومة الخليل بن أحمد، وهي أقدم منظومة نحوية وجدتها، لم أعثر عليها إلا في إبان تكامل طباعة البحث؛ حتى اضطررت إلى الإضافة والإعادة، موافقا المحقق في نسبتها إليه، وأن كثيراً من شروح الألفية لم أطلع عليها، كشرح الشاطبي، الذي قيل فيه: "لم يؤلف على الألفية شرحٌ مثله". وقد رأيت بعد مناقشة البحث، وكشرح السيوطي لمنظومته "الفريدة"، المسمى: "المطالع السعيدة"، فلم أعثر عليه كاملاً، بل عثرت على جزء منه محقّقاً تحقيقاً سيئ الإخراج والتصفيف والورق؛ فاستفدتُّ منه؛ على إغماضٍ. وقد رأيت أنه شرح في مجلدين، ببلاد خليج العرب، بتحقيق عبدالكريم المدرّسي.

ولكني بذلت وسعاً في تحصيل قدر صالح منها للبحث وتقديمه في أحسن صورة.

فما كان في عملي من صواب فمن الله ? ... وله خالص الحمد وواجب الشكر. ثم من أفكار ثلة العلماء الذين تتلمذت لهم في حلقات الدرس، أو الذين تلقيت عنهم في طيّات الكتب، ولهم صادق الدعاء بالثواب، ومن صبر أهلي على احتمال مشاقّ بلوغ الغاية، ولهم جميل المودة من بعد سنين الشدة، ومن نصح أصفيائي وتشجيع أحبائي وسؤال أصدقائي وأيادي إخوتي التي أعدّ منها ولا أعددها، ولهم حقّ الوفاء وعظيم العرفان. وأخصّ بالذكر هنا: الدكتور عبدالحميد عثمان الزرموح، والأستاذ يوسف حسين بادي، وأخي م. رجب الدرسي، وصديقي أ. محمد خليل الزروق.

وما كان فيه من نقص أو خطأ أو زلل أو مبالغة فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله ? وأتوب إليه، فإنه حسبي، لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب.

* * *

خاتمة البحث

وتتضمن خلاصة البحث ومقترحاته:

الخلاصة:

تفاصيل هذا البحث كثيرة، وجملة ما استخلصته منها يدور على الأمور التالية:

1) النظم العلمي: "هو ما يسمّي به الباحثون والمعلمون وطلبة العلم ما كان من العلوم والمعارف والفنون والمسائل والألغاز مؤلّفاً في قصائدَ وأراجيزَ ومقطوعاتٍ وأبيات، موزونةً مقفاة؛ قصدَ الجمع للمواد العلمية وضبطها, والإيجاز في أسلوب التفهيم والعرض، واليُسْر في منهج الاستظهار والاستحضار".

2) إن النظم العلمي ولد في الثقافة العربية الإسلامية بنسب صحيح وصريح، كما ولد في ثقافات أخرى، ولادة دعت إليها حاجة التعليم والتدريس، الذي انتشر في العرب، بعد نزول الرسالة، وإن المنظومات العلمية قديمة قدمَ التاريخ، وقدم حاجة الإنسان إلى العلم والمعرفة، فقد عرفت منذ عهد إدريس عليه السلام، وعرفت في الأمم الغابرة.

3) كان استجابة لمطلب ثقافي لدى العرب ينادي بضرورة مغالبة النسيان بالحفظ:

ما قد روى يضارع المصاحفا .. يأيها المضمن الصحائفا .. احفظ وإلا كنت ريحاً عاصفا.

علمي معي أينما يمَّمْتُ يتبعني .. قلبي وِعاءٌ له لا بطنُ صندوقي.

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي .. أو كنت في السوق كان العلم في السوق

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015