ـ ولعل السمة الأخيرة التنبؤية هي أهم سمات الثقافة عمومًا، فبما أن الثقافة تحدد أسلوب الأفراد وسلوكهم في المجتمع، فإنه بالإمكان التنبؤ بما يمكن أن يتصرف به فرد ما ينتمي إلى ثقافة معينة، لأن ثقافته تحتّم عليه أسلوبًا معينًا تجاه كل مشكلة من المشاكل التي تقابله في حياته اليومية ([11] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn11)).
تعريف النقد الثقافي
النقد الثقافي يبين الأبعاد الاجتماعية والتاريخية لنص معين، ومدى تفاعله مع الثقافة،
كما يربط بين البنية اللفظية والوضع الاجتماعي والفكري والثقافي فهو" فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية مَعْنِىٌ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء. من حيث دور كل منهما في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا مَعْنِىٌ بكشف لا الجمالي، كما هو شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة (البلاغي/الجمالي)، وكما أن لدينا نظريات في الجماليات، فإن المطلوب إيجاد نظريات في (القبحيات) لا بمعنى البحث عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغى في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي والحس النقدي" ([12] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn12)).
وحتى تقترب نظرية النقد الثقافي من الأفهام، يقارب د/ الغذامي مفهومها بمفهوم (علم العلل) عند (أهل الحديث)، لتشابه الغرض بين العلمين، فيقول:"هو إذن نوع من علم العلل كما عند أهل مصطلح الحديث، وهو عندهم العلم الذي يبحث في عيوب الخطاب ويكشف عن سقطات في المتن أوفي السند، مما يجعله ممارسة نقدية متطورة ودقيقة وصارمة. ولا شك أن البحث في علل الخطاب يتطلب منهجًا قادرًا على تشريح النصوص، واستخراج الأنساق المضمرة، ورصد حركتها. وكما هي الدلالة اللغوية المزدوجة لكلمة (جميل) التي تعنى الشحم مثلما تعنى (الجمال) فإن في الثقافة أيضًا جمالاً من تحته شحم، وكما أن الشحم لذيذ وجذاب إلا أنه ضار وفتاك بالصحة البدنية، وكأنما لذته هي الواسطة والقناع لمضاره، وكذا هي الجماليات البلاغية تضمر أضرارها و قبحياتها، والحاجة إلى كشف ذلك تصبح همًا نقديًا مشروعًا وضروريًا" ([13] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn13)).
ويرى د/عبد المطلب أن الرمزية من أهم مقومات النقد الثقافي، فواقعة الزواج تصبح رمزا على العائلة ثم القبيلة ثم المجتمع، "فالنقد الثقافي يتعامل مع النص بوصفه نسقا من الرموز والأفكار، بدءا من مادة النص المحسوسة، وصولا إلى طبيعته التكوينية، ثم أثره التنفيذي، دون فصل بين هذه الثلاثية، مع ربطها بالواقع الخارجي وحركته الدائمة التي تحكمها ظواهر الاندفاع حينًا، والانفعال حينًا، والتذكر حينًا ثالثًا" ([14] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn14)).
نظرية النقد الثقافي عند الغذامي
ينبني النقد الثقافي على نظرية (النسق المضمر) ـ أضاف الغذّامي عنصرًا سابعًا إلى عناصر النموذج اللغوي عند ياكبسون (المرسل، المرسل إليه، الرسالة، السياق، الشفرة، أداة الاتصال) وهو: (النسق) فتكون وظيفة الخطاب في هذه الحالة (نسقية) ـ وهو نسق ثقافي، وتاريخي، يتكون عبر البنية الثقافية والحضارية، ويتقن الاختفاء من تحت عباءة النصوص، ويكون له دور سحري في توجيه عقلية الثقافة، وذائقتها، ورسم سيرتها الذهنية والجمالية. وعليه فإن النقد الثقافي هو مشروع في نقد الأنساق، وهذا تحول جذري ونوعي يفترق فيه النقد الثقافي عن النقد الأدبي، بما أن الأخير معني بنقد النصوص، وهو بحث في جماليات اللغة وتوظيف للمجاز للكشف عن تلك الجماليات.
¥