الأوّل: إن التقسيم لم يكن مطابقاً للمقدّمات: كلّ مدلول إما مفرد أو مركب من ألفاظ. و هذان هما نوعا اللفظ. و هذان النوعان أما يدل على معنى أو لا يدل فالاحتمالات المتكونة للفظ الأصلي ستة لا أربعة ومنها المفرد الدالّ على مفرد دالّ بدوره على معنى – والمفرد الدالّ على معنى مركب حيث لم يذكرا.
الثاني: إن التقسيم لم يلتزم ظروفاً موحّدة لدراسة الوحدة اللغوية. فلو قال: الفعل – بأل التعريف في النوع الأوّل أسوة بالنوع الثاني (الخبر) لكان لهذا الفعل بالمعنى معنىً مركباً – لأن الفعل الحقيقي هو ما لا يعبر عنه إلا بجملة مركبة أو عدة جمل. و من جهة أخرى لو قال (خبر) بغير أل التعريف في النوع الثاني لكان المفهوم هو من النوع الأوّل – أي الخبر في النحو ومن غير ذلك كلّه يمكنك نقل المفاهيم من المفرد الى المركب في الأمثال المضروبة – فلفظة (كلمة) مثلاً قد تعني خطبة طويلةً أو قصيرةً لا مفردة وهكذا.
إذن تبرز نفس المشكلة المراد وضع حلول لها خلال محاولة الحلّ. إذ يستحيل التخلّص من (اعتباطية) التأسيس لمبادئ لغوية تعتقد سلفاً أنها لغة اعتباطية!! و هذا امرٌ منطقيٌ واضحٌ تجاهله أهل العلم. وهذه المناقضة المذهلة وقع فيها جميع علماء اللغة في الغرب والشرق بلا استثناء، ولكنهم استمروا في تأسيس مبادئ اعتباطية بل أقرّ سوسير بما سماه بـ (المبدأ الاعتباطي).
الثالث: هناك مشاكل أخرى: فمثلاً إن النوع الرابع (الهذيان) هو لفظ يدلّ ضمناً على وجود ألفاظ أخرى – قالوا لا يدل على معنى. و هذا غير صحيح لأن الذي لا يدلّ على معنى – إذا سلمنا أن الهذيان خال تماماً من كلّ معنى – هو الجمل والتراكيب لا الوحدات المركبة منها وهي موضوع البحث؟!!.
وفي النوع الثالث لا تجد اللفظ الثاني في حروف المعجم إلاّ أن يكون المقصود: أ – ب – ج من النظام الكتابي الى نظام صوتي بنطق التسمية هكذا ألف – باء، جيم. و هذا بالطبع خلاف المنهجية في البحث ولا قيمة له بهذا المعنى.
إذن فالتقسيم متناقض في داخله ولا يؤدي الى نتائج علمية.
و قد ذكر سوسير أن الاعتقاد بأنّ الألفاظ لا قيمة ذاتية لها هو أمر لا يختلف حوله إثنان، وأما الأصوات فإنّ الاعتقاد بوجود قيمة لها هو ضرب من الخيال وشيء لا يخطر على بال. وهو بهذا لا يختلف عن (ميثم) بشيء في نظرته للأصوات إذ اعتبرها غير دالةٍ على شيء، وكذلك الألفاظ لا تدل على المعاني إلاّ بعد التركيب كما سيأتيك. المبحث الثالث
الدلالات المختلفة للفظ
هذا العنوانمن عندي لنجمع فيه عدة أبحاث لعلماء اللغة كلّها تدور في فلك واحد، ومن الواضح أن منشأه المترادفات أيضاً، ولكنهم كثيراً ما كان يعجبهم تفريع أبحاث عديدة لأصلٍ واحدٍ ومشكلةٍ واحدةٍ. فالمشكلة نفسها لا تحسم بحل منطقي ـ أما التفرعات فيحاولون إيجاد حلول لها!!.
ومن تلك المشاكل الفرعية أن اللفظ قد يعطي دلالات مختلفة فما هي الدلالة الحقيقية له من بين تلك الدلالات. مثلاً (الصلاة) في قوله تعالى:
? إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ? / (الأحزاب 56)
فالصلاة من الله (رحمة) ومن الملائكة ومن الناس (استغفار). وكقوله تعالى:
? ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ? / (الحج 18)
فالسجود من الملائكة (خشوع) ومن الناس وأمثالهم هو المتصور من وضع الجبهة على الأرض ومن الجمادات هو قسرّية الحركة واحتياجها الى الصانع.
وهذا الأصل دخل أبحاثا فرعية مختلفة ـ مثل اللفظ المشترك هل يستعمل في معانيه على الجمع أم لا؟ أجاز ذلك الباقلاني والجبائي والقاضي عبد الجبار والشافعي ومنع منه أبو هاشم وأبو الحسن البصري والكرخي وغيرهم.
الملاحظ أن المدخل الى المبحث متناقض منذ البدء في المسألة شأنه شأن جميع تفرعات (علم اللغة).
¥