لقد ورد اسم مصر، ومصرايم، ومصري، ومصريات، ومصرية، ومصريون، ومصريين، في الكتب المقدسة عند هذا الأسقف ـ العهدين القديم والجديد ـ أكثر من سبعمائة مرة! (11)

ـ كذلك، قال الأنبا توماس ـ عضو المجمع المقدس .. وأسقف القوصية ـ في محاضرته:

"لن أقبل أن أكون عربيًا .. فأنا لست عربيًا عرقًا .. وإذا توجهت إلى قبطي وقلت له: إنه عربي، فإن هذا تعتبر إهانة"!! (12)

ـ وهذا فكر عنصري، يتحدث عن العرق ـ حديث الفاشية والنازية ـ والسؤال: هل هذا الأنبا مسيحي؟! .. وهل لفكره هذا أدنى علاقة بالمسيحية؟! .. أم أن النزعة العنصرية قد قلبت حتى المسيحية عند هذه الشرذمة الطائفية الانعزالية؟! ..

إنه يتناسى أن الحديث عن "النقاء العرقي" لأي جماعة بشرية هو محض خلافة ـ ناهيك عن تناقضه مع كل ألوان الإيمان الديني ـ سماويًا كان أم وضعيًا هذا الإيمان ـ ..

كما يتجاهل ـ هذا الأنبا ـ أن مصر حكمها الإغريق والرومان والبيزنطيون عشرة قرون، اختلطت فيها الدماء والأنساب والأعراق والسلالات .. ولو قرأ هذا الأنبا تاريخ الحملة الفرنسية، والغرام الذي قام بين المعلم يعقوب حنا وبين الجنرال "ديزيه" .. و"الانفتاح" الذي تحدث عنه الجبرتي بين نساء بعض الطوائف وبين جنود الحملة الفرنسية! .. لربما انصرف عن هذا الحديث عن النقاء العرقي! .. (13)

ثم .. هل المسلمون المصريون وافدون على مصر من شبه الجزيرة العربية ـ من نسل عدنان وقحطان؟!

إن الدراسة "الديموجرافية" ـ التي صدرت عن المعهد الوطني للدراسات الديموجرافية بباريس ـ تؤكد أن سكان شبه الجزيرة العربية إبان الفتح الإسلامي لم يتعدوا المليون .. وأن سكان الدولة التي أسسها الفتح الإسلامي ـ في مصر والشام والعراق وفارس ـ قد بلغوا 29.000.000 ـ وإذا أضيف إليهم سكان شمال إفريقيا بلغ سكان تلك الدولة ـ يؤمئذ ـ نحو 40.000.000 ـ ومن ثم فلو هاجر كل عرب شبه الجزيرة ـ المليون ـ لما غيروا من التركيبة الديموجرافية للبلاد التي فتحها المسلمون! (14)

إذن .. فالعرب في مصر هم المصريون الذين تعربوا لغويًا .. وليسوا وافدين من خارج مصر .. وكذلك حال العرب في كل البلاد التي اختار أهلها التعريب اللغوي والثقافي والحضاري ..

ولو قرأ ـ هذا الأنبا ـ ما كتبه الأسقف يوحنا النقيوسي لعلم أن أكثر من نصف الشعب المصري ـ عند الفتح ـ قد بادر إلى الدخول في الإسلام قبل تمام الفتح وقبل دخول عمرو بن العاص (50ق. هـ ـ 43هـ ـ 574 ـ 664م) إلى الإسكندرية .. فالنصارى الموحدون ـ أتباع آريوس (265 ـ 336م) الذين كانوا يؤمنون ـ كما يقول يوحنا النقيوسي ـ "إن المسيح مخلوق" .. وكذلك المصريون الذين كانوا على الديانة الوثنية القديمة .. كل هؤلاء المصريين دخلوا الإسلام .. والنقيوسي يوجه إليهم الانتقادات، ويصب عليهم اللعنات! ..

فالمصريون المسلمون هم ـ كالذين ظلوا على نصرانيتهم ـ أحفاد الفراعنة .. والجميع قد تعرب لغة وثقافة بعد ذلك .. وبالتدرج ..

وإذا كانت المسيحية ترفض التمييز بين الناس على أساس العرق والدم .. فإن الإسلام قد بلغ القمة في ذلك، عندما أكد أن الناس جميعًا قد خلقوا من نفس واحدة .. وأن البشر قاطبة مرجعهم لآدم ـ عليه السلام ـ .. كما أكد رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن دعوى الجنس والعرق هي دعوى الجاهلية .. وأنها مفتنة ..

وأن العروبة ليست عرقًا وإنما هي اللسان: "ليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي" ـ (15)

ـ كما يقول هذا الأسقف:

"لقد قام بعض الناس، لأسباب معينة ـ الضرائب .. أو الضغوط .. أو الطموحات ـ بالتحول إلى الإسلام"

ـ وهو ـ بهذا القول ـ يتجاهل حقائق التاريخ ـ وهي صلبة عنيدة! ـ ..

فمصر عند الفتح الإسلامي ـ الذي حررها وحرر نصرانيتها من القهر الروماني والبيزنظي ـ لم تكن كلها مسيحية أرثوذكسية .. وإنما كانت خارطتها الدينية تشمل خمس ديانات:

1ـ اليهودية.

2ـ النصرانية الآريوسية الموحدة، والتي تقول عن المسيح ـ عليه السلام ـ إنه "مخلوق" ـ كما نص على ذلك يوحنا النقيوسي في تاريخه ـ ..

3ـ والديانة اليونانية القديمة ـ الوثنية .. وفلسفتها ـ.

4ـ والمسيحية الكاثوليكية الرومانية ـ مذهب المستعمرين البيزنطيين ـ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015