اكتسبت اللفظ الآخر من احتكاكها بلهجة أخرى لها بيئتها اللغوية المستقلة. وكثير من هذه الألفاظ الخاصة باللهجات، لم يستطع النفاد إلى استعمالات اللغة الفصحى، وبقيت مقصورة على الاستعمال المحلي عند هذه القبيلة أو تلك، وكان من الممكن أن تندثر هذه الألفاظ لأن نصوص الفصحى الشعرية والنثرية منها لم تسجلها بين ألفاظها، لولا أن ساح اللغويون العرب في القرون الأولى للهجرة، في الجزيرة العربية وبين القبائل التي اعتمدها هم لتتلقى اللغة عنهم، فدونوا عنهم فيما دونوا هذه الألفاظ المحلية».

- من أسباب الترادف كذلك أن يكون للشيء الواحد في الأصل اسم واحد ثم يوصف بصفات مختلفة باختلاف خصائص ذاك الشيء، وإذا بتلك الصفات تستخدم في يوم ما استخدام الشيء وينسى ما فيها من الوصف أو ينساه المتحدث باللغة.

- ومن عوامل كثرة الترادف في العربية الاستعارة من اللغات الأجنبية التي كانت تجاور العربية في الجاهلية وصدر الإسلام، مثل بعض الكلمات المستعارة من الفارسية وغيرها: كالدمقس والاستبرق للحرير، واليم للبحر.

- أن كثيراً من الكلمات التي تذكرها المعجمات على أنها مرادفة في معانيها لكلمات أخرى غير موضوعة في الأصل لهذه المعاني، بل مستخدمة فيها استخداما مجازياً.

ومن أمثلة الإعجاز اللغوية والعلمي في القرآن الكريم ما يلي:

1 - جاء في سورة الحجر في الآية الرابعة عشرة والخامسة عشرة قوله تعالى: «ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سُكّرتْ أبصارنا بل نحن قوم مسحورون».

العروج في اللغة:

هو سير الجسم في خط منعطف ومنحن، وقد ثبت علمياً أن حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون في خطوط مستقيمة، بل لا بد لها من الانحناء ... فكل جرم متحرك في السماء محكوم بكل من القوى الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره إلى التحرك في خط منحن يمثل محصلة كل من قوى الجذب والطرد المؤثرة فيه، وهذا ما وصفه القرآن بالعروج، ويتجلى الإعجاز في اختيار هذه الكلمة بدقة لا مثيل لها دون غيرها من المترادفات، نحو: «الصعود، العلو، الرقي» وكل هذه المترادفات رغم اشتراكها في المعنى العام، تؤدى المعنى العلمي الدقيق الذي أشارت إليه كلمة «يعرجون».

2 - جاء في سورة يوسف وصفاً لحالة سيدنا يعقوب بعدما فقد ابنه وفلذة كبده سيدنا يوسف: «وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون». صورة مؤثرة للوالد المفجوع، يحس أنه منفرد بهمه وحيد بمصابه لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب يوسف الذي لم ينسه ولم تهون من مصيبته السنون .. ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزناً وكمداً.

وقد اهتدى الطب في العصر الحديث إلى أن مرض المياه البيضاء التي تصيب العيون لا يرجع سببه فقط الي الشيخوخة بل إن أحد أسبابه ارتفاع ضغط الدم وكثرة البكاء وعمق الحزن، كما يعجل بحدوثه الاضطرابات النفسية، ويا لروعة القرآن ودقته إذ جاءت كلمة كظيم التي تعني: ممتلئ من الغيظ أو الحزن، يكتمه ولا يبديه. دون غيرها من المترادفات نحو: «الأسى واللهف: حزن على الشيء يفوت الوجوم: حزن يسكت صاحبه. الأسف حزن مع غضب. الترح: ضد الفرح». ومن عجب أن القرآن الكريم منذ ألف وأربعمائة سنة قد فصل في سورة يوسف أعراض هذا المرض كما وصل إليه الطب الحديث وأسبابه ... ثم توضح الآية الثالثة والتسعون، كيف طلب سيدنا يوسف علاج أبيه بإلقاء قميصه على وجهه إذ تقول الآية: «اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً» وقد انخفض ضغط الدم عند سيدنا يعقوب عندما أحس أن ابنه حي يرزق وانصرف عنه الحزن والألم وانتابته حالة من السعادة والفرح فارتد إليه البصر كما تقول الآية: «فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً» (يوسف/96).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015