- فريق أثبت وجود الظاهرة واحتج لوجودها بأن جميع أهل اللغة إذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا: العقل، أو الجرح قالوا: هو الكسب، أو السكب قالوا: هو الصب. وهذا يدل على أن اللب والعقل عندهم سواء وكذلك الجرح والكسب، والسكب والصب وما أشبه ذلك، ويروي أصحاب الترادف قصصاً وأحاديث للبرهنة على رأيهم. فمن ذلك ما رووه من أن النبي «صلى الله عليه وسلم» وقعت من يده السكين فقال لأبي هريرة: ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة يمنة ويسرة، ثم قال بعد أن كرر الرسول له القول ثانية وثالثة: آلمدية تريد؟ فقال له الرسول: نعم. ومن المثبتين للترادف الرماني الذي ألف «كتاب الألفاظ المترادفة» وكراع الذي ألف «المنتخب».

- فريق ينكر وجود الترادف ومن هؤلاء ابن فارس وثعلب وأبو علي الفارسي وأبو هلال العسكري، يقول ابن فارس: «ويسمى الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو السيف والمهند والحسام، والذي نقوله في هذا: إن الاسم هو السيف وما بعده من الألقاب صفات ومذهبنا ان كل صفة منها فمعناها غير معنى الأخرى وقد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها وإن اختلفت معانيها فإنها ترجع على معنى واحد، وذلك قولنا: سيف وعضب وحسام. وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناها غير معنى الآخر. قالوا: وكذلك الأفعال، نحو مضى وذهب وانطلق وقعد وجلس ورقد ونام وهجع، قالوا: ففي قعد معنى ليس في جلس، وكذلك القول فيما سواه. وبهذا نقول وهو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.

وقال أبو علي الفارسي: «كنت بمجلس سيف الدولة بحلب وبالحضرة جماعة من أهل اللغة وفيهم ابن خالويه، فقال ابن خالويه: احفظ للسيف خمسين اسماً، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ إلا اسماً واحداً هو السيف، قال ابن خالويه: فأين المهند والصارم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي: هذه صفات. وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة، وقد ألف أبو هلال العسكري (الفروق اللغوية) لإبطال الترادف وإثبات الفروق بين الألفاظ التي يدعى ترادفها».

أسباب الترادف في اللغة الفصحى:

- لعل أبرز العوامل في اشتمال لغتنا على هذا الثراء العظيم أن المهجور في الاستعمال من ألفاظها كتب له البقاء. فإلى جانب الكلمات المستعملة كان مدونو المعجمات يسجلون الكلمات المهجورة، وما هجر في زمان معين كان قبلُ مستعملاً في عصر من العصور، أو كان لهجة لقبيلة انقرضت أو غلبتْها لهجة أقوى منها. وهجران اللفظ ليس كافياً لإماتته لأن من الممكن إحياؤه بتجديد استعماله. فالاستعمال في العربية على نوعين: مهجور قد يستعمل، ومستعمل قد يهجر، واحتفاظ علمائنا بالنوع الأول كأنه إرهاص لإحيائه، وفي هذا كانت الميزة للعربية، إذ لا تحتفظ سائر اللغات إلا بالنوع الثاني وهو مهدد بالهجران معرض لقوانين التغيير الصوتي، فإذا أميت بالهجر لم يكن في طبائعها ما تعوض به المهجور الجديد بمهجور قديم، فتضطر إلى الاستجداء من لغات أخرى.

- طول احتكاك قريش باللهجات العربية الأخرى قد نقل إليها طائفة كبيرة من مفردات هذه اللهجات. ولم تقف لغة قريش في اقتباسها هذا عند الأمور التي كانت تعوزها، بل انتقل كذلك من هذه اللهجات كثير من المفردات والصيغ التي لم تكن في حاجة إليها لوجودها في متنها الأصلي، فعززت من جراء ذلك مفرداتها وكثرت المترادفات في الأسماء والأوصاف والصيغ. وأصبحت الحالة التي انتهت إليها أشبه شيء ببحيرة امتزج بمياهها الأصلية مياه أخرى انحدرت إليها من جداول كثيرة. ويشير إلى ذلك ابن فارس في كتابه الصاحبي عندما يقول: «فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ويتحاكمون إلى قريش مع فصاحتها وحسن لغتها ورقة ألسنتها، فإذا أتتهم الوفود من العرب يتخيرون من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها. وعلى هذا الأساس نقر بوجود الترادف في القرآن لأنه وقد نزل بلغة قريش المثالية يجري على أساليبها وطرق تعبيرها .. لذا لا غضاضة أن يستعمل القرآن الألفاظ الجديدة المقتبسة إلى جانب الألفاظ القرشية الخالصة القديمة. وبهذا نفسر ترادف أقسم وحلف في قوله تعالى: «وأقسموا بالله جهد أيمانهم» (النور/53)، وقوله: «يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة (الكفر) (التوبة/74) .. فقريش كانت تستعمل في بيئتها اللغوية الخالصة أحد اللفظين وإنما

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015