ـ[أبو محمد العمري]ــــــــ[07 - Jun-2008, صباحاً 01:52]ـ
العدد السبعون- ربيع الآخر 1428 هـ/ آيار 2007
الإعجاز العلمي لظاهرة الترّادف في اللّغة العربّية
سميحة الصعبي
دمشق -سوريا
لا يزال القرآن الكريم على مر العصور والأيام يفيض على من أعمل الفكر في آياته وكلماته بالأنوار والأسرار ... وفي هذه المتابعة المتواضعة أحاول أن أربط بين الإعجاز اللغوي القرآني في ظاهرة الترادف وانتقاء الكلمة المناسبة في المكان المناسب دون غيرها من المترادفات مع الإعجاز العلمي الحديث. وقبل أن أعرض لهذا الإعجاز المدهش أجد من الضروري شرح ظاهرة الترادف شرحاً وافياً، مع تسليط الضوء على أراء العلماء والمختصين حولها والأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الظاهرة. وأخيراً فائدتها من الناحية اللغوية والبلاغية.
الترادف في اللغة:
«الترادف في اللغة التتابع، وأردفه أي أركبه خلفه، وكل شيء تبع شيئاً فهو ردفه» والمترادفات في الاصطلاح: «ألفاظ محددة المعنى وقابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق. والترادف التام-رغم استحالته- نادر الوقوع إلى درجة كبيرة ... فإذا ما وقع هذا الترادف التام فالعادة أن يكون ذلك لفترة قصيرة محددة ... وسرعان ما يظهر التدريج فروق معنوية دقيقة بين الألفاظ المترادفة بحيث يصبح كل لفظ منها مناسباً وملائماً للتعبير عن جانب واحد فقط من الجوانب المختلفة للمدلول الواحد».
وحين نصف العربية بسعة التعبير وكثرة المفردات وتتنوع الدلالات وحين نتجرأ أكثر من هذا فنزعم أن لغتنا في هذا الباب أوسع اللغات ثروة وأغناها في أصول الكلمات الدوال على معان متشعبة قديمة وحديثة، جدير بنا أن نذكر أن اللغات جميعاً دون استثناء تزداد ثروتها وتبلغ مفرداتها من الكثرة حداً لا نهاية له إذا كتب لها من شروط النماء والحياء والخلود ما كتب للعربية، فقد أتيح للغة القرآن من الظروف والعوامل ما وسع من طرق استعمالها، وأساليب اشتقاقها وتنوع لهجاتها، فانطوت من هذا كله على محصول لغوي لا نظير له في لغات العالم، فمثلاً قد نجد في لغات العالم القديمة والحديثة كلمات قليلة محدودة للتعبير عن أصوات الحركات الخفيفة، وإذا التمسنا في العربية ما وضع لأداء هذه الأصوات أدركنا العجز عن استيعاب تلك الكثرة من الكلمات الدالة على فروق دقيقة جداً، فالهمس صوت لحركة الإنسان وقد نطق به القرآن، ومثله الجرس والخشفة، وفي الحديث أنه قال (صلى الله عليه ولسلم): «إني لا أراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة إلا رايتك» ... وتبلغ العربية حد الإعجاز وهي تعبر عن صوت الشيء الواحد بألفاظ مختلفة تراعي معها التفاوت في علوه وهبوطه وعمقه وسطحيته ... فإن صوت الماء إذا جرى خرير، وإذا كان تحت ورق أو قماش قسيب، وإذا دخل في مضيق فقيق، وإذا تردد في الجرة أو الكوز بقبقة، وإذا استخرج شراباً من الآنية قرقرة.
آراء العلماء في ظاهرة الترادف:
اختلف اللغويون العرب في وقع هذا الترادف التام .. فمنذ بدأ الرعيل الأول من هؤلاء اللغويين في القرنين الثاني والثالث الهجريين في جمع اللغة من أفواه فصحاء العرب من جانب وتفريغ ألفاظ القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والخطب والرسائل حتى نهاية العصر الأموي والبحث عن معانيها وتفسيرها من جانب واحد، أخذ العلماء في تصنيف هذه المادة اللغوية في أنماط شتى، وعن لبعض هؤلاء العلماء أن يجمعوا الكلمات التي تدل على معنى واحد في العربية في تأليف مستقل، سموه أحياناً «بالترادف» وأحياناً أخرى باسم «ما اختلف لفظه واتفقت معانيه» وقد بالغ بعضهم في جمع تلك الألفاظ وحشد بينها طائفة كبيرة لا تمت إلى المترادف الحقيقي بصلة ... وقد أدت مبالغة هؤلاء العلماء إلى ظهور طائفة أخرى من العلماء تعارض هذا الاتجاه وترفض ظاهرة الترادف في العربية رفضاً تاماً، ويمكن إجمال آرائهم فيما يلي:
¥