ومناقشات، ورد بعضهم على بعض في ذلك، وتنقيحات على زعمهم في الحدود، خصوصاً ما صنفه متأخرو المشارقة على مقدمة ابن الحاجب فنسأم من ذلك، ولا يحصل في أيدينا شيء من العلم (81).

ومما يوضح لنا موقف أبي حيان من التعليل هو ما صرّح به في المسائل الآتية:

1 - في مبحث المعرف بالأداة يقول: ذكر أصحابنا فيها مذهبين: أحدهما: مذهب جميع النحاة إلا ابن كيسان، أنها أُحادية الوضع، وهي اللام، والألف ألف وصل جيء بها وصلة إلى النطق بالساكن والثاني: مذهب ابن كيسان إنها ثنائية الوضع نحو: قد، وهل، وهمزتها قطع. ثم قال أبو حيان: وهذا الخلاف في الأداة قليل الجدوى، وبعض الألسن خال من أداة التعريف .. وهذه كلها أوضاع لا تعلل" (82).

2 - اختلف النحاة في ناصب المستثنى على ثمانية أقوال .. وقد علّق أبو حيان على هذا الخلاف بقوله: مثل هذا الخلاف لا يجدي كبير فائدة، وهو كالخلاف في رافع المبتدأ والخبر، ورافع الفاعل، وناصب المفعول، وإنما الخلاف الذي يجدي هو فيما أدى إلى حكم لفظي، ومعنى كلامي (83).

3 - بعد أن ذكر أبو حيان اختلاف النحاة في وزن (أيَّا) واشتقاقها، فإنه يقول: وليس في هذا الاختلاف في أيا، ولا في وزنه كبير فائدة (84).

4 - وفي مبحث المنصوبات يقول: وكون المفاعيل خمسة هو مذهب البصريين، وزعم الكوفيون أنه ليس للفعل إلا مفعول واحد، وهو المفعول به، وباقيها مشبه بالمفعول به. وهذا الخلاف لا يجدي كبير فائدة (85).

وبهذه النظرة إلى التعاليل نتخلص من تلك التعاليل التي ما تزال مكان شكوى في النحو العربي، ونتخلص كذلك من تلك الأفكار الذهنية التي تعود صعوبة النحو إلى جزء كبير منها.

*رأيه في العامل:

سلك أبو حيان مسلك القدماء في العامل، وبما يحدثه من أثر إعرابي في الكلمة وهو لم يتأثر بدعوة ابن مضاء القرطبي في إلغاء العامل وعدم القول به. بل كان يدعو إلى إلغاء الخلافات في تقدير العامل. لعدم ترتب حكم نطقي عليها، فالعامل عنده موجود، وله أثر، ويرى أن الأصل في العامل أن يكون من الفعل، ثم من الحرف، ثم من الاسم، وأن العامل لا يؤثر أثرين في محل واحد، وأنه لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير نحو: ليس زيد بجبان (86).

خلاصة الأمر أن أبا حيان كان منساقاً مع النحاة في الاهتمام بالعوامل اللفظية والمعنوية، وأثرها.

*رأيه في السماع والقياس:

يقوم منهجه العام في القياس على اعتماد المسموع من كلام العرب والعناية به، ويظهر ذلك في أنه لا يعتد برأي لا يستند إلى سماع، وعلى هذا كان يحدد اختياره لآراء النحاة والحكم عليها.

وإن نصوص أبي حيان تكشف لنا عن رأيه في السماع والقياس، يقول:

فلما اطلعنا على مذاهب الناس في هذه المسألة، ولاختلافهم فيها رجعنا عند الاختلاف إلى السماع من العرب، فما وجدناه منقولاً عنهم أخذنا به، وما لم ينقل من لسانهم أطرحناه، وذلك مذهبنا في إثبات الأحكام النحوية، أنَّا نرجع فيها إلى السماع .. والقياس الذي نذكره نحن في النحو إنما هو بعد تقدير السماع، فلا نثبت الأحكام بالقياس إنما نثبتها بالسماع من العرب، ويكون في الأقيسة إذ ذاك تأنيس وحكمة لذلك السماع، ومن تأمل كتاب سيبويه وجده في أكثره سالكاً هذه الطريقة التي اخترناها في إثبات الأحكام بالسماع" (87).

فأبو حيان يعتمد النصوص المسموعة كأصل في الاحتجاج للقياس، وهو في هذا المنهج يقربنا من النصوص المسموعة، والأساليب الفصيحة التي نطق بها العرب ويمكننا حصر منهجه في السماع والقياس فيما يلي:

1 - كان أبو حيان يأخذ بالقياس ويحتكم في قياسه إلى أصول العربية.

2 - كان لا يتوسع في القياس، فلم يأخذ المثال الشاذ قاعدة يقيس عليها، وإنما يبنى قواعده وأحكامه على الكثير.

3 - لا يجوز عنده إثبات قاعدة كلية لمحتمل ظاهر فيه، وإنما يبني القاعدة على الدليل الذي لا يتطرقه الاحتمال.

4 - كان يذهب إلى استبعاد التراكيب التي لا تسندها النصوص المسموعة.

5 - إذا اجتمع السماع والقياس اختار السماع.

خلاصة القول أن أبا حيان كان يعنى عناية شديدة بالسماع، ويبني قياسه دائماً على السماع، ولا يرتضي تلك الأحكام النحوية التي لا تطرد مع قواعد النحو.

*تأثره بالمذهب الظاهري:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015