ذكرت المصادر التي ترجمت لأبي حيان أنه قد أخذ بالمذهب الظاهري، ثم اختلف في رجوعه عنه إلى المذهب الشافعي. وهمنا هنا أن نعرف مدى تأثره بالمذهب الظاهري في معالجته للمسائل النحوية، وهل كان ظاهرياً حتى في النحو- كما قيل؟.

لم يكن أثر المذهب الظاهري مقصوراً على تفسير الآيات، بل امتدّ أثره إلى النحو العربي، فقد ظهر ابن مضاء القرطبي المتوفى سنة (592 هـ) وكان متعصباً إلى الظاهرية، وقد استلهم هذا المذهب في ثورته على النحو والنحاة، إذ وجد أن النحو العربي قد تضخم بتقديرات وتأويلات، وتعليلات، وأقيسة كثيرة، وقد تمثلت ثورته في كتابه (الرد على النحاة) الذي يقول فيه: قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه، فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي" (88).

ولم يقتصر قصده من كتابه على هذا، بل طالب بإسقاط العلل الثواني والثوالث (89) ويرى أن العرب قد أخطؤوا في حملهم شيء على شيء في القياس يقول: والعرب أمة حكيمة، فكيف تشبه شيئاً بشيء وتحكم عليه بحكمه، وعلة حكم الأصل غير موجودة في الفرع، وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جُهل، ولم يقبل قوله: فَلِمَ ينسبون إلى العرب ما يُجهل به بعضهم بعضاً، وذلك أنهم لا يقيسون الشيء، ويحكمون عليه بحكمه، إلا إذا كانت علة حكم الأصل موجودة في الفرع (90).

وقد اختلفت نظرة الباحثين المحدثين إلى موقف ابن مضاء من أفكاره هذه، فمنهم من رأى أنه قد عمل على تطور النحو وتيسيره، ومنهم رأى أن الدافع إلى دعوته هو الشهرة التي كان يطمح إلى تحقيقها، وهي أن يكون إماماً مشهوراً في العربية، ومنهم من رأى أنه لم يتصد للنحويين بقصد إحياء النحو وتيسيره، بل كان مدفوعاً إلى أن يرد عليهم لما يحمله من عقيدة ظاهرية، وبعضهم يرى أن ابن مضاء كان مجدداً من ناحية، ومن ناحية أخرى متفلسف يصطنع فلسفة القرون الوسطى (91).

ومهما يكن من أمر فإن ثورة ابن مضاء ذهبت صرخة في واد، لأن قواعد النحو أُقيمت على أُسس وأُصول، وبذل فيها النحاة كل ما في استطاعتهم في سبيل إقامة صرح هذه القواعد، وأن هبوب رياح التغيير لم تستطع أن تحرّك شيئاً في التراث النحوي.

ولست أود الإفاضة في هذا الموضوع، لأن الذي يهمنا هو مدى تأثر أبي حيان بدعوة ابن مضاء القرطبي.

يمكننا حصر أوجه الاتفاق والافتراق بين أبي حيان وابن مضاء في الأمور الآتية:

1 - تأثر أبو حيان بابن مضاء في دعوته إلى طرح التعاليل التي لا تجدي نفعاً، قال أبو حيان: والنحويون مولعون بكثرة التعليل، ولو كانوا يصنعون مكان التعليل أحكاماً نحوية مستندة للسماع الصحيح لكان أجدى وأنفع (92).

2 - تأثر به أيضاً في إلغاء التمارين غير العملية، لأنها من وضع النحاة، ولا يوجد نظائرها في لسان العرب.

3 - أراد ابن مضاء أن يضيّق دائرة القياس على حين نجد أن أبا حيان لا يدعو إلى إلغاء القياس بل كان يأخذ به.

4 - كان ابن مضاء يدعو في كتابه الرد على النحاة إلى إلغاء نظرية العامل، فهو يرى مثلاً أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا إخباراً فإنهما لا يتعلقان بعامل محذوف، وأنه لا عامل ولا معمول.

أما أبو حيان فإنه سلك مسلك القدماء في الاهتمام بالعامل، وهو على حق في هذا، لأن إنكار العامل فيه إنكار للنحو، وإدخال للخلل والاضطراب في المسائل النحوية التي قام عليها تراثنا النحوي.

*الحواشي:

*قال السيوطي: النَفْزي، نسبة إلى نَفْزَة قبيلة من البربر. بغية الوعاة 1/ 280. وقال ياقوت: نقرة-بالفتح ثم السكون-مدينة بالمغرب بالأندلس معجم البلدان 5/ 296.

**جيان: بالفتح ثم التشديد مدينة لها كورة واسعة بالأندلس، تتصل بكورة البيرة، مائلة عن البيرة إلى ناحية الجوف .. شرقي قرطبة. بينها وبين قرطبة سبعة عشر فرسخاً. معجم البلدان 3: 185.

... نفح الطيب: 3/ 292.

(1) -مقدمة ابن خلدون الفصل 31 ص537.

(2) -ينظر غاية النهاية 2/ 285، وبغية الوعاة 1/ 280، وشذرات الذهب 6/ 146.

(3) -البحر المحيط 1/ 11.

(4) -البحر المحيط: 1/ 6.

(5) -البحر المحيط: 1/ 5 وما بعدها.

(6) -ينظر منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك- لابن حيان ص 231.

(7) -ينظر نفح الطيب 3/ 295، والنجوم الزاهرة 10/ 111.

(8) -ينظر نفح الطيب 3/ 338، وشذرات الذهب 6/ 146.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015