1 - كان يرجع بالقراءة إلى اللغة يلتمس لها شاهداً فيرويه، أو نظيراً فيقيسها عليه، فنراه يستشهد على جواز حذف الحركة الظاهرة من الأسماء والأفعال اعتماداً على لغة تميم يقول في باب الإعراب "وإذا كان حرف الإعراب صحيحاً فلا يجوز إلا ظهور الإعراب فيه، وحذف الحركة منه خصّه أصحابنا بالشعر، وذهب المبرد إلى أنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر وذهب بعضهم إلى جواز ذلك وإن كان قليلاً، ومنه قراءة من قرأ "وبعُولتهن" (56) بسكون التاء، وما حكاه أبو زيد " ورسلنا" (57) عمرو أن لغة تميم تسكين المرفوع من نحو: يعلمهم، وقراءة "بارئكم" (58) "ومكر السيّشئ" (59) في الوصل بسكون الميم واللام والهمزة.

وقد دافع أبو حيان عن هذه القراءة، ورد على من يلحن قراءها. جاء في البحر المحيط: قرأ مسلمة بن محارب (بعولتهن) بسكون التاء فراراً من ثقل توالي الحركات، وهو مثل ما حكى أبو زيد (ورسلنا) بسكون اللام .. وقد منع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن .. قال أبو حيان: وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله (، ولغة العرب توافقه، فإنكار المبرد لذلك منكر. ومما يدل على صحة قراءة أبي عمرو ما حكاه أبو زيد من قوله تعالى (ورسلنا لديهم يكتبون ((60).

2 - إذا كانت القراءات متواترة، فإنه لا يرجح بينها لصحتها، وثبوت روايتها يقول في تفسير لقوله تعالى (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ((61). قرأ الجمهور: واعدنا، وقرأ أبو عمرو: وعدنا بغير ألف. ولا حجة لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، لأن كلاًّ منهما متواتر، فهما في الصحة على حد السواء (62).

وخلاصة الأمر أن أبا حيان كان كثير الدفاع عن القراءات المتواترة والرد على من يلحن قراءها.

أما القراءات الشاذة فلم يكن أبو حيان أول من اهتم بها، واجتهد في تخريجها بل نجد أن ابن جني قد جمع القراءات في كتابه المحتسب.

فكان أبو حيان يعمل على توجيه القراءة الشاذة وتخريجها، فيرجعها إلى اللغة، أو إلى لهجة من اللهجات العربية، باحثاً لها عن شاهد أو توجيه. من ذلك: حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بـ "لم" وخرج أبو حيان على ذلك قراءة من قرأ (ألم نشرح لك صدرك ((63) بنصب الحاء. وقال أبو حيان في البحر المحيط: قرأ الجمهور بجزم الحاء لدخول الجازم، وقرأ أبو جعفر بفتحها، وخرجه ابن عطية في كتابه على أنه: ألم نشرحن، فأبدل من النون ألفاً، ثم حذفها تخفيفاً .. ثم قال أبو حيان: ولهذه القراءة تخريج أحسن من هذا كله، وهو أنه لغة لبعض العرب، حكاها اللحياني في نوادره، وهي الجزم بلن، والنصب بـ (لم) عكس المعروف عند الناس (64).

ويلاحظ أن منهج أبي حيان في تتبعه للقراءات والاحتجاج لها، يتفق مع منهج المحتسب لابن جني، والحجة لأبي علي الفارسي، وذلك في أنه يعرض القراءة ومن قرأ بها، ثم أنه كان يرجعها إلى اللغة ليلتمس لها شاهداً فيرويه، أو يرجع بها إلى إحدى لهجات القبائل.

*الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف:

تعد قضية الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف من القضايا الهامة التي دار حولها نقاش وخلاف، ويمكننا حصر هذا الخلاف في اتجاهات ثلاثة (65).

1 - الاتجاه الأول رفض الاحتجاج بالحديث في المسائل النحوية، وكان في طليعتهم أبو حيان وأبو الحسن بن الضائع المتوفى سنة 680هـ.

2 - الاتجاه الثاني: جوز الاحتجاج به، وكان في طليعتهم ابن مالك.

3 - الاتجاه الثالث: وقف موقفاً وسطاً بين الاتجاه الأول والثاني، ويمثل هذا الاتجاه الشاطبي.

وقد عرف عن أبي حيان أنه يمثل من يرفضون الاحتجاج بالحديث النبوي، وعرف عنه أيضاً أنه قد تحامل كثيراً على ابن مالك عندما جوز الاستشهاد بالحديث الشريف.

ولكن الأحاديث التي أوردها أبو حيان واحتج بها في أثناء عرضه للمسائل النحوية تخالف ما جاء عنه، وتناقض ما قاله في ابن مالك.

وإليكم بعض الأمثلة التي تدل على استشهاد أبي حيان في أثناء عرضه للمسائل النحوية:

1 - ما جاء في كلامه على جواز دخول الضمير بين التنبيه، واسم الإشارة، ثم ذكر الحديث: ها أنا ذا يا رسول الله (66).

2 - ما جاء عند كلامه على حذف خبر لا النافية للجنس، يقول: ومن حذف الخبر قوله تعالى: (قالوا لا ضير ((67)، (فلا فوت ((68)، ثم قال: ولا ضرر ولا طيرة، ولا عدوى (69).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015