ثانياً: كان يميل إلى عدم الإيغال في تحليل الحدود والتعريفات، وذلك في أغلب أبواب الكتاب، وكأنه يرى أن التعريف وسيلة لتصوّر الموضوع، لا غاية مقصودة، وإذا كان الهدف من التعريف والحد، هو التبيين والوضوح، فإن الأبواب النحوية الواضحة لا تحتاج إلى حد، ولهذا نجد أبا حيان يردد عبارة "إن هذا لا يحتاج إلى رسم (48) ولا إلى حد (49).
فمن ذلك قوله في باب التابع: وهو محصور بالعد، ولا يحتاج إلى رسم، ولا حد، وهو النعت، وعطف البيان، والتوكيد، والبدل، وعطف النسق.
وفي تعريف التوكيد يقول: التوكيد معنوي ولفظي، والمعنوي تابع بألفاظ مخصوصة فلا يحتاج إلى حد ولا رسم.
وهكذا نرى أن أبا حيان لم يهتم كثيراً بالحدود والتعريفات، وأعتقد أن هذه النظرة صحيحة، لأنه ما دام معنى التعريف وتصور الموضوع واضحاً في أكثر الأبواب النحوية، فلا ضرورة تدعو إلى الإسهاب فيما يدخل تحت التعريف أو يخرج عنه. ومهما يكن من أمر فإن أبا حيان يمثل مرحلة من مراحل التطور للتعريف النحوي.
أما المصطلحات النحوية التي نستعملها الآن فقد مرّت بتطورات قبل أن تستقر على الشكل المألوف لدينا. وحسبنا أن ننظر في كتاب سيبويه الذي يعد المصدر الأول الذي استقى منه النحاة علم النحو اصطلاحاته، لندرك ما طرأ على هذه المصطلحات من تغيّر وتطور.
أي أن المصطلحات النحوية قد مرّت بمراحل وتدرجت إلى أن ثبتت واستقرت في القرن الرابع الهجري، وكان دور النحاة الذين جاؤوا بعد هذا لم يتجاوز الاختيار والتسليم بما شاع منها.
وجاء أبو حيان في وقت وصلت فيه المصطلحات النحوية إلى وضع أخير، وأصبحت معروفة به. وعلى هذا فإنه ليس من الممكن أن يحاول تغيير اصطلاح قد شاع تداوله بين المتعلمين والنحاة.
وهكذا نلاحظ أن أغلب المصطلحات التي استعملها أبو حيان كانت بصرية، وكان دوره مقصوراً على ما شاع من هذه المصطلحات وعم استعماله.
*أسلوب أبي حيان في الارتشاف:
استطاع أبو حيان أن يقدم لنا تلك المسائل النحوية، والحقائق العلمية في كتابه، بأسلوب يتسم في أغلب أحواله بالبساطة والدقة، فكان يعتمد على الموازنة الدقيقة بين آراء النحاة، ثم يختار أكثرها استعمالاً وأصحها نقلاً ورواية. أي أنه يأخذ بالنقل والرواية ثم بالاستقراء والتحليل.
وكان أبو حيان يتحرّى صحة النقل معتمداً في ذلك على صحة الرواية، ونجد في الارتشاف كثيراً من العبارات التي تدل على ذلك مثل: ويروى عن بعض العرب، وقالت الأعراب .. وحكى قطرب، وحكى يعقوب .. وكقوله: انتهت هذه المسائل من كلام الفراء .. وكقوله: والذي حكيناه نقلناه عن أبي جعفر النحاس.
*اهتمامه باللهجات والقراءات:
كان أبو حيان شديد الاهتمام بلغات القبائل، ويظهر ذلك جلياً في كتابه البحر المحيط، فقد بلغ عدد اللهجات التي عزا إليها أربعاً وستين قبيلة (50).
وقد قال أبو حيان "كل ما كان لغة قبيلة يقاس عليه (51).
وكان يأخذ بالمنقول من اللغات، ولا يذهب إلى استكراهها، يظهر ذلك عن تفسيره لقوله تعالى: (ولا تقربا هذه الشجرة ((52). وقرئ الشجرة بكسر الشين، وقرئ أيضاً الشيرة بكسر الشين والياء المفتوحة بعدها، وكره أبو عمرو هذه القراءة، قال أبو حيان: وينبغي أن لا يكرهها، لأنه لغة منقولة فيها (53).
وهذا الاهتمام باللهجات إنما يرجع إلى ما بين اللهجة والقراءات والنحو من ارتباط وثيق إذ القراءات تعتمد في أوجه خلافها على ما بين اللهجات من فروق وخلاف، كما أن لهجات القبائل ما هي إلاَّ نحو من نحو اللغة الفصحى وطريق منه (54).
أما القراءات فقد عرّفها بأنها "العلم الذي يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، وقسم القراءات إلى متواترة وشاذة (55).
وقد عني بالقراءة المتواترة، والشاذة، لأن هذه القراءات جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها، ويظهر ذلك فيما يلي:
¥