وكان يرى أن على المفسر أن يكون ذا ثقافة واسعة، ومعرفة جيدة بمختلف العلوم، يقول: "فيعلم النحو تعرف الأحكام التي للكلم العربية من جهة إفرادها، ومن جهة تركيبها، وبعلم اللغة تعرف معاني الأسماء، والأفعال التي لا يفهم المقصود من كلام الله وألفاظه إلا بمعرفته والاطلاع عليه، وبعلم الحديث يتعين المبهم، ويتبين المجمل، وسبب النزول والنسخ، وبأصول الفقه يعرف الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودلالة الأمر والنهي، وما أشبه ذلك، وبعلم الكلام يُعرف ما يجوز على الله تعالى .. وبعلم القراءات يعرف اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص، أو تغيير حركة، أو إتيان بلفظ بدل لفظ (5) .. يضاف إلى هذا أنه كان ذا معرفة بلغة الترك والفرس وغيرهم (6).
وبهذه الثقافة الواسعة تهيأ له أن تكون له اليد الطولى في التفسير والحديث .. وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم (7).
*رحيله من الأندلس إلى مصر:
ذكرت المصادر أن رحيله من الأندلس إلى مصر، إنما يرجع إلى سببين:
الأول: أنه حملته حدة الشباب على التعرض للأستاذ أبي جعفر الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزبير واقعة، فنال منه، وتصدى للتأليف في الرد عليه، وتكذيب روايته، فرفع أمره للسلطان، فأمر بإحضاره وتنكيله، فاختفى ثم ركب البحر ولحق بالمشرق (8).
الثاني: أنه مما قوى عزمه على الرحلة أن بعض العلماء بالمنطق، والفلسفة والرياضة، والطبيعة.
قال للسلطان: إني قد كبرت، وأخاف أن أموت، فأرى أن ترتب لي طلبة أعلمهم هذه العلوم، لينتفعوا من بعدي، قال أبو حيان: فأشير إلى أن أكون من أولئك وترتب لي راتب جيد، وكسوة وإحسان، فتمنعت، ورحلت مخافة أن أكره على ذلك (9). ومهما يكن من أمر، فإن أبا حيان قد رحل من الأندلس سنة 678هـ أو 679هـ إلى موطن آخر أكثر هدوءاً، وأيسر رزقاً، فكانت أرض مصر هي ملاذه. وكانت مصر يومذاك تحت ظل المماليك وقد لقى أبو حيان في القاهرة اهتماماً كبيراً، حيث عين مدرساً للنحو في جامع الحاكم بأمره سنة 704 (10)، ثم تولى بعد ذلك تدريس التفسير في قبة السلطان الملك المنصور في عهد السلطان القاهر الملك الناصر (11). كما أنه خلف مشيخة محمد بن النحاس في تدريس النحو (12).
كما أنه كان على علاقة جيدة بالأمير سيف الدين أراغون النائب الناصري (13).
وقد ذهب أبو حيان إلى مكة المكرمة، ولقي فيها أبا الحسن علي بن صالح الحسيني (14)، وذهب أيضاً إلى الشام. ثم عاد إلى القاهرة وبقي فيها إلى أن توفي.
*شيوخه:
من الشيوخ الذين أخذ عنهم علم القراءات، والحديث: ابن الطباع، وابن الزبير، وابن بشير القزاز، وابن أبي الأحوص (15).
ومن شيوخه في النحو: أبو الحسن الأبدي، وابن الزبير، وابن الأحوص وابن الضائع (16).
*تلاميذه:
قال السيوطي: أخذ عنه أكابر عصره، وتقدموا في حياته كالشيخ تقي الدين السبكي (17)، وولديه، والجمال الأسنوي (18)، وابن قاسم (19) وابن عقيل (20) والسمين (21)، وناظر الجيش (22)، والسفاقسي (23)، وابن مكتوم، وخلائق (24).
*عقيدته:
ذكرت المصادر أن أبا حيان كان مالكياً –وهو المذهب السائد في المغرب والأندلس- ثم أصبح ظاهرياً، وكان يقول: "محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علّق بذهنه (25).
وكان أبو حيان قد اطلع على الفقه الظاهري في غرناطة، فدرس كتاب "المحلي في الخلاف العالي في فروع الشافعية، ( ... تعليق منى: هذه التسمية خاطئة واسمه المحلى بالآثار شرح المجلى بالاختصار ... وهذه التسمية الخاطئة لها قصة ليس هذا موضعها**) لابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456هـ، ثم اختصر أبو حيان هذا الكتاب باسم "الأنور الأجلى في اختصار المحلى"، وقد ذكر هذا الكتاب في تصانيفه لتلميذه الصفدي (26). وعندما قدم إلى مصر، ورأى مذهب الظاهر مهجوراً فيها تمذهب للشافعي (27).
¥