وإذا قلت (هذا الرجل مثل الزجاج في جمود الملامح) فكلامك حقيقة لا مجاز بالاتفاق، فلو كانت الجملة الأولى ممنوعة للزم منع هذه أيضا، وحينئذ لا يتعلق الأمر بنفاة المجاز أصلا.
أو يجوِّزوه، فإن جوزوه ـ مع ملاحظة أن التجويز معناه أنه صحيح في كلام العرب وأنه منه ـ فيقال لهم: كيف تجوزون مثل هذا والعرب لم تستعمل الزجاج للرجل الجامد، فإن الشيء إنما يجوز في كلام العرب إما بالسماع منهم أو بالقياس على كلامهم، ويلزم للقياس تجريد أصل يقاس عليه، وهو هنا نوعُ نقلِ اللفظ إلى غير ما وضع له لعلاقة منقولة، وأنتم قد منعتم هذا الأصل فعلى أي شيء قستموه؟
يقولون لك: هو جائز من باب التشبيه أو الاستعارة، كما سبق بيانه، ولا يلزم فيه النقل عند أهل البيان.
فلو قالوا قسناه على ما عُهِدَ من استعمال العرب للفظ في مشابهه أو سببه أو نحو ذلك من العلاقات، قلنا فهذا الاستعمال هو الذي يسميه المثبتة مجازًا فيئول الخلاف إلى خلاف لفظي، ومماحكة لا معنى لها، وقد يكون الأمر كذلك بالفعل وحينئذ يظهر أن ما قلته من عدم وجود ثمرة عملية للخلاف صحيح، ويظهر مع ذلك أنَّ كل ما أتعب فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ على سبيل المثال ـ نفسه في هذه المسألة وَهْمٌ لا حقيقةَ له وأنه ـ رحمه الله ـ كان يضيع وقته لغير ما فائدة ولا هدف.
يظهر أن الخلاف بين مثبتة المجاز ومنكريه غير ظاهر لديكم، فإن الخلاف هو في أصل الوضع، وأن اللفظ قد وضع في الأصل مجردا عن كل استعمال، ثم استعمل بعد ذلك إما فيما وضع له فيسمى حقيقة، وإما في غير ما وضع له فيسمى مجازا.
أما منكرو المجاز فأكثرهم لا ينكرون انتقال الألفاظ وتطورها من معنى إلى معنى، وقد صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع، وهو كثير في كلام أئمة اللغة ونقلتها بحيث لا يمكن أن يخفى على شيخ الإسلام، ينقلون عن العرب مثلا أن كلمة كذا استعملت في كذا ثم استعملت في كذا من باب المجاورة أو من باب كثرة الاستعمال أو من باب الملازمة أو غير ذلك.
ولكن هذا الانتقال قد يكثر في الاستعمال حتى لا يحتاج إلى قرينة فيلتحق بالحقيقة حينئذ ويسميه جمهور العلماء (حقيقة عرفية)، ومن ذلك أيضا عند الجماهير (الحقيقة الشرعية) فهي منقولة من الحقيقة اللغوية ومتأخرة عنها، ومع ذلك فكل ذلك حقائق؛ لأن الذهن ينصرف إليها بغير قرينة لفظية غالبا.
ولكنَّ ثقتي في عبقرية ابن تيمية وفهمه لما يقول وإخلاصِه في عمله يجعلني لا أميل إلى هذه النتيجة المفجعة!
إنما قلتَ ذلك لأنك ظننتهم يقولون بعدم التطور في الاستعمال، وقد ثبت أن أكثرهم لا يقولون بذلك.
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[02 - May-2008, صباحاً 10:29]ـ
أخي الفاضل أبا مالك أعتذر إليك لتأخري في الرد ولكنني أدخل في مشغلة جديدة ولما أتفصَّى من الأولى، فقدِّر أنني لم أجد نصًّا لمنكري المجاز يصرح بما ذكرت، ثُمَّ تفضَّل بالتعليق على ما قلت، والله الموفق
لا بأس يا أخي الفاضل، وأسال الله أن ييسر أمرك، ويهيء لك من أمرك رشدا.
ـ[نضال مشهود]ــــــــ[02 - May-2008, مساء 01:17]ـ
أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل
لقد أوضحت مقصودي بـ (ثمرة عملية) من قبل في المشاركة 15
ولم أفهم قولك (الخلاف المذكور)، فأي خلاف تعني؟
أقصد (الخلاف) المذكور في عنوان الموضوع.
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[02 - May-2008, مساء 01:52]ـ
لا أدري علاقة هذا السؤال بالموجود؟
فإن هذا السؤال فرع السؤال عن مذاهب هؤلاء، والخلاف محتمل فيها أيضا!
ـ[أبو -الطيب]ــــــــ[03 - May-2008, مساء 05:26]ـ
بارك الله فيك أبا مالك، وسُبْحانَ مَنْ قَسَمَ العُقُولَ على الوَرَى.
ـ[أبو فهر السلفي]ــــــــ[03 - May-2008, مساء 05:39]ـ
أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل
لقد أوضحت مقصودي بـ (ثمرة عملية) من قبل في المشاركة 15
ولم أفهم قولك (الخلاف المذكور)، فأي خلاف تعني؟ بارك الله فيك ..
لا أرى صحة حصر الثمرة العملية فيما ذكرتَ ... لكن دعنا نحصرها في ذلك ...
لو قلتُ أنا: بنى هؤلاء على القول بالمجاز بدعتهم في الإيمان والصفات ...
أليست هذه ثمرة عملية (؟؟؟)
فإن قلتَ ما تقوله: من أن الصفات تنفى بغير إثبات المجاز وتثبت مع إثباته ...
قلنا هذا حق ... ولكن هذا لا يمنع أن مثبت المجاز يستدل به على نفي الصفات وأن نافيه يستند إلى نفيه في إثبات الصفات وهذا واقع لا يُمكن إنكاره ... ولا ينفي هذا كون هناك أدلة أخرى للمثبت والنافي ...
مثال:
اختلف في المسألة الأصولية على قولين (س)،و (ع) .. فقال صاحب القول (س) في المسألة الفقهية بالقول (أ) وقال صاحب القول (ًع) في المسألة الفقهية بالقول (ب) ... بناء على الخلاف الأصولي ...
وعليه تصبح هذه المسألة الفقهية والخلاف فيها من آثار الخلاف في المسألة الأصولية ..
الآن:
ترى أنه يوجد من لا يقول بالقول (س) ومع ذلك يقول بالقول (أ) والعكس ... وذلك لأدلة أخرى واعتبارات أخر ... فهل يلغي هذا كون الفقهية ثمرة عملية للأصولية ... فليتأمل
¥