قد يحتج مثبتة المجاز على التفريق بأن استقراء كلام العرب قد دل على أن المعنى الذي يسمونه مجازيا يكون دائما مأخوذًا من إحدى صفات المعنى الأصلي

فمثلا

لماذا يطلق (الأسد) على الرجل الشجاع دون الجبان؟

ولماذا يطلق (الثعلب) على الرجل الماكر دون الغبي؟

ولماذا يطلق الذئب على الرجل الشرير دون الطيب؟

ونحو ذلك كثير.

وذكر سيبويه أن العرب تقول في الريح إذا جاءت من عدة جهات: استذأبت الريح؛ أي صنعت صنع الذئب في ختله وغيلته.

فمن الواضح هنا أن (استذأب) مأخوذ من (الذئب) نظرا إلى إحدى صفاته وهي الختل والغيلة.

أرجو من الإخوة الكرام أن يفيدونا باستقراءاتهم وفوائدهم في هذا الباب، أعني:

[ SIZصلى الله عليه وسلم=6][COLOR=Red] هل حقا يكون المعنى الذي يسمونه مجازيا دائما مأخوذا من إحدى صفات المعنى الأصلي؟

وأرجو عدم الخروج عن الموضوع؛ فلا أريد نقاشا في مبحث المجاز وتلك المناقشات التي كررناها كثيرا.

بارك الله فيكم شيخنا الفاضل أبا مالك.

هذه الأسئلة دلالة على يقظان فكر صاحبها وقوة نظره.

والإجابة عندي. . أن مثل هذا الاستقراء مستحيل حصوله لنا الآن. وذلك الاحتجاج أيضا غير مناسب.

أولا: لأن المأثور من كلام العرب - على حد علمي القصير - ما هو إلا أبيات شعرية أو كلمات نثرية بسياقها. فهي ليست مشحونة بالتعليلات لمراداتهم في إطلاق كذا على كذا. . بل ليس فيه كبير بيان لمعان الألفاظ أصلا. وإنما استفاد المستفيد معانى الألفاظ في كلامهم من عملية التفهم لها بالاستنباط والتدبر وطول الفكر والنظر إلى ما عساه أن يريد به قائل ذلك الكلام بذلك السياق.

ثانيا: نفس قولكم "فمن الواضح هنا أن (استذأب) مأخوذ من (الذئب) نظرا إلى إحدى صفاته وهي الختل والغيلة" تعليقا على قول سيبويه من "أن العرب تقول في الريح إذا جاءت من عدة جهات: استذأبت الريح؛ أي صنعت صنع الذئب في ختله وغيلته" = لا أدري ما وجه وضوح هذا الاستنباط؟ لم لا يكون التفسير مثلا بالتواطؤ، بأن يقال إن مادة (ذ ء ب) لها عند العرب دلالة على الختل والغيلة، فسمي به الذئب لختله وغيلته، وسميت به حركة الريح المتذئبة.

قال ابن فارس: ((الذال والهمزة والباء أصل واحد يدل على قلة استقرار وألا يكون للشيء في حركته جهة واحدة، ومن ذلك الذئب سمي بذلك لتذؤُّبه من غير جهة واحدة، ويقال ذئب الرجل إذا وقع في غنمه الذئب ويقال تذأبت الريح أتت من كل جانب وأرض مذأبة كثيرة الذئاب وذؤُب الرجل إذا صار ذئباً خبيثاً، وجمع الذئب وذئاب وذئبان وذؤبان، ويقال تذاءبت الناقة تشبهت بالذئب ومنه قول الشاعر: إني إذا ما لبث قوم أذ أبان وسقطت نخوته وهربا)) أ. هـ. المراد من نقله.

فالأصل هو الوصف المشترك، ثم يأتي الأسماء على مقتضى هذا الوصف العام. فمادة (أ س د) في عادة العرب أن تفيد معنى الشجاعة، فسمي به ذلك الحيوان المفترس لشجاعته، وسمي بذلك أيضا خالد بن الوليد 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - لنفس التعليل - مع إضافته إلى الله تعالى لكون شجاعة خالد شجاعة إيمانية ربانية. قال ابن فارس: ((الهمزة والسين والدال، يدلّ على قوّة الشَّيء، ولذلك سُمِّي الأسدُ أسداً لقوّته، ومنه اشتقاق كلِّ ما أشبهه، يقال استأسَدَ النَّبت قَوِيَ. قال الحطيئة: بِمُستأسِدِ القُرْيانِ حُوٍّ تِلاعُهُ * فنُوّارُهُ مِيلٌ إلى الشّمسِ زاهِرُه. ويقال استَأْسَدَ عليه اجْتَرَأ. قال ابن الأعرابي: أَسَدْتُ الرَّجُل مثل سَبَعْتُه)) - مع ملاحظة أن هذا الترتيب ليس يسترط فيه أن يكون ترتيبا زمنيا.

ثالثا: مع التسليم بأن مثل هذه الإطلاقات إنما تقوم على التشبيه، فهو كما قيل: "تشبيه"، وليس "نقلاً" ولا "استعارة". فعندها، كان قول القائل: "إنك ورب الكعبة لأسد" = تشبيه المخاطب بالحيوان الشجاع القوي، لا نقل لفظ (الأسد) من الدلالة على الحيوان إلى الدلالة على الشجاعة.

فاحتجاج الخائضين بالمجاز بمثل هذه التعليلات على تقسيمهم الثنائي = ليس يستقيم أبدا. بل هو بنسف نظريتهم أشبه - والله تعالى أعلى أعلم.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[28 - Mar-2008, صباحاً 09:30]ـ

بارك الله فيك شيخنا الفاضل

أولا: ابن فارس ممن يقولون بالتقسيم إلى مجاز وحقيقة، بل كلامه يوحي بأن لا نزاع في المسألة أصلا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015