هذه النصوص تدل دلالة قاطعة على الوضوح الكامل لفكرة الدورة الهيدرولوجية عند مؤلف الكتاب الذي عاش في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، وهو عندما يسوق هذه المفاهيم، لا يسوقها ليبحث بحثاً نظرياً أكاديمياً يعارض فيه هذا المؤلف أو ذاك، إذ الغاية من كتابه غاية يمهد لها بمعطيات نظرية، وهو يعبر عن هذه الفكرة بوضوح فيقول: >ومن تصور ما ذكرته وحققته، فقد عرف قطعة كبيرة من صناعة إنباط المياه، لأن تصور طبع الأرض والماء، وكيفية وضعهما وخلقتهما وصفة حال الماء وخللها يدل على معرفة قوية في هذه الصناعة.
فهي معطيات نظرية تقود إلى إتقان صناعة علمية: صناعة إنباط المياه الخفية التي بها عمارة الأرض، وهو يدرك أهمية هذه الصناعة، فيقول: >فلست أعرف صناعة أعظم فائدة وأكثر منفعة من إنباط المياه الخفية التي بها عمارة الأرض وحياة أهلها (9).
ويقودنا الكرجي في كتابه إلى كيفية الاستدلال على وجود الماء الجوفي، فقد صنف الجبال والأحجار الدالة على الماء حسب كمية الماء الموجود فيها إلى:
ــ الجبال السوداء، إذا كانت من حجر يخالطه طين، والحجر رخو ذو أطباق، وعواليها ــ أي قممها ــ عريضة، وأجسامها ضخمة.
يتضح أن الجبال السوداء التي يتحدث عنها هي من الصخور الرسوبية التي تتألف من طبقات مرصوفة متوازية تفصلها سطوح الارتصاف التي تكون عادة من مواد متبلورة، ومن الصخور التي تمتاز بلون أسود "الهيماتيت". وتعدّ الصخور الرسوبية كالرمل والحصى، مناسبة لترسب الماء وامتصاصه. وهناك صخور استحالية تمتاز بلون أسود، كالغنايس الهوربنلندى والميكاشيست، ولونه فضي أسود. ومن الصخور سوداء اللون أيضاً، الصخور الاندفاعية: البيروكسيت، والبازلت والغابرو، وكلها صخور دالة على وجود ماء جوفي.
أما الصخور الأخرى التي يذكر الكرجي أنها تحتوي على الماء، فهي الصخور الخضراء، ومنها الدونيت، وهو أخضر مصفر، والفيليت، وكذلك الكلوريت شيست ولونه أخضر به قطع سوداء، وكذلك يذكر الصخور الصفراء، ومنها الأنديسيت (10).
ويصف الكرجى أيضاً في كتابه أشكال الجبال التي تحتفظ بالثلوج وتختزن الماء في أجوافها. ومن صفاتها أن تكون مغطاة بالشجر، بشكل يظللها فيؤدي إلى احتفاظ الأرض بالرطوبة وتقليل البخار. وفي الصحارى ينظر إلى الأرض وشكل حجارتها. فالحجارة الرخوة السوداء تدل على الماء، والحجر المختلف الألوان المتبدد يدل عليه، و الحجر الأبيض المتفرق، وكذلك الصخور الثابتة، ويلاحظ أنه يشير إلى الحجر المتفرق والمتبدد، وهذا يعطي دليلاً على الفراغات، وبالتالي ازدياد تسرب الماء إليها (11).
كما يذكر الكرجي في كتابه مجموعة من النباتات يدل وجودها على الماء الجوفي، ويذكر أن وجود هذه النباتات يدل على وجود الماء الجوفي مع الشروط الآتية:
ــ أن يكون نابتاً من غير زرع.
ــ أن يكون غضاً.
ويعلق على نبات الحاج بأن جذوره تمتد حتى تصل إلى الماء، وتمتد جذوره إلى 15 ذراعاً، أي ما يقرب من 8 أمتار تقريباً، وذكر مثالاً آخر لنفس النبات، حيث وصلت جذوره إلى 50 ذراعاً، أي نحو 27 متراً.
ويصنف الكرجي المياه الجوفية وخواصها الكيميائية والفيزيائية إلى ثلاثة أنواع:
ــ الماء الساكن: هو ماء يجري في جوف الأرض، وهو لديه اضطراب في تعريف هذا الماء، خاصة عندما يذكر أن نشأته من استحالة الهواء إلى ماء في الأرض.
ــ الماء المتكاثف: ما تكون مادته استحالة الهواء إلى ماء، هذه العملية تحدث في أجواف الأرض الباردة، وهى بالطبع لا تعطي إلا كميات قليلة جداً من الماء، ولا علاقة لها بالماء الجوفي.
ــ الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار، لأنه مادة الأودية العظام والقنى والعيون. وهو تعريف أيضاً يدل على طبقة الماء الجوفي، والتي تعرف بمنطقة الإشباع.
ويذكر الكرجي أيضاً صفات الماء الصالح للشرب والمتمثلة فيما يلي:
ــ أن لا يثقل على المعدة.
ــ ينفذ نفاذاً سريعاً.
ــ يقبل البرد والحر بسرعة.
¥