ثم يسهب الكندي في بيان تحول الهواء إلى ماء: >لأن الهواء والماء مشتركان في الكيفية المنفعلة<، وهو يعني هنا الرطوبة "متضادان في الكيفية الفاعلة"، وهو يعني هنا الحرارة والبرودة، فإذا استحال في رأيه الهواء بارداً وعدم الحرارة، فإنه يصير عنصراً بارداً رطباً، وهذا هو الماء. ويلاحظ أنه أدخل تأثير الرطوبة والحرارة والبرودة، وأن عملية التكاثف هذه، إنما يخضع لها الماء نتيجة لانخفاض درجة الحرارة. كما أشار إلى أن هذه العملية يمكن أن تحدث في الآبار ذات الأعماق البعيدة.

وبيَّن الكندي أيضاً في رسالته حادثة التكاثف تجريبياً كالآتي: تأخذ زجاجة قنينة، فتحشوها بالثلج حشواً تاماً ثم تستوثق من سد رأسها، ثم تزنها وتعرف وزنها، ثم تضعها في قدح تقرب أرجاؤها من ظاهرها، فإن الهواء يستحيل على ظاهر القنينة كالرشح على القلال، ثم يجتمع شيء، ثم يوزن الإناء والماء والقدح معاً، فيوجد وزنها زائداً على ما كان قبل. والوزن الزائد بالطبع ناتج عن تكاثف الهواء المحيط بزجاجة الثلج، ثم ذوبانه وسيلانه إلى مقر القدح.

كتاب إنباط المياه الخفية:

مؤلف هذا الكتاب هو محمد بن الحاسب الكرجي المتوفى في القرن الخامس الهجري (4)، والكتاب الذي وضعه في هذا العلم كتاب نفيس يمكن أن يُعدّ موسوعة فنية في دراسة المياه الجوفية واستثمارها. ويقصد المؤلف في عنوان كتابه بالإنباط إخراج الشيء وإظهاره بعد خفاء، وأنبطنا الماء، أي استنبطناه وانتهينا إليه. والاستنباط: الاستخراج (5) والمياه الخفية هي المياه الجوفية حسب المصطلح العصري.

وقد أحاط الكرجي بموضوعه إحاطة الخبير المثقف الذي أدرك أهمية كل فكرة تحدث عنها. فدقة التفاصيل التي شرحها في هذا الكتاب وجمعه بين الهندسة العلمية والبرهان الرياضي، ولا سيما في (باب وزن الأرض) تدل دلالة واضحة على أن الكرجي ــ وهو العالم الرياضي ــ زاول مهنة المهندس وتعرف إلى دقائقها، بالشكل الذي كانت تعرف به في ذلك الوقت. فالمهندس هو المقدر لمجاري المياه والقنى واحتفارها حيث تحفر. وثق الكرجي في هذا الكتاب خبرة هندسية اختزنتها وطورتها الذاكرة العلمية والعملية للحضارة الإسلامية في مجال الاستفادة من المياه الجوفية. لذلك كله، فإن الكتاب لفت انتباه المستشرقين، فترجموه إلى الألمانية (6) والفرنسية (7) والإنجليزية (8).

ويذكر الكرجي عن سبب تأليف هذا الكتاب، أنه بعد أن تصفح شيئاً من كتب المتقدمين في الموضوع، ووجدها قاصرة على الكفاية واقعة دون الغاية، بدأ في تصنيف كتابه هذا في إنباط المياه الخفية، وعن مفهوم الدورة الهيدرولوجية للماء. ويذكر تحت عنوان صفة الأرض: >ومن حكمة الله أن خلق في الأرض مواضع كثيرة ذات جبال متصلة. فإذا كان الزمان في هذه المواضع شتاء، فإن الهواء يتكثف ويشتد البرد، ويستحيل الهواء إلى ماء استحالة قوية، ووقعت عليها الثلوج لا تنقطع شتاء ولا صيفاً. فإذا اشتد الحر بها بمسامته الشمس إياها، ذابت وصار ذوبها مادة الأرض والخروق التي في بطنها، فصارت مادة لمنابع في أماكن بعيدة.

ويذكر كذلك: لما خلق الله الأرض والماء خلق لكل واحدة منهما مادة، فمادة الماء الساكن في بطنها والعيون والأودية والينابيع عليها من الأمطار والثلوج، فلو انقطعت، قلت المياه وأدى ذلك إلى خراب الأرض، ويقول أيضاً: وعلى هذا يجب أن تكون المياه من الثلوج والأمطار من استحالة الماء إلى الهواء، والهواء إلى ماء.

وهو بقوله هذا يشير إلى التبخر والتكاثف. ولعل باقي كلامه من الوضوح، بحيث لا يحتاج إلى تعليق. ويصنف الكرجي أنواع المياه الأرضية تصنيفاً دقيقاً يثير العجب ينطبق تماماً على ما يعرفه الهيدرولوجيون اليوم، فيقول إن >الماء في بطن الأرض ثلاثة أنواع، ماء ساكن في جوفها لا يزيد بزيادة الأمطار ولا ينقص بنقصانها ولا يتغير حاله إلا شيء قليل، فقد غمر جرم الأرض بحسب وجود الخلل والمنافذ فيه، لا يتغير بشدة القيظ وأزمان الدهر، ويكون هذا الماء قليل الحركة والجريان في بطن الأرض، والثاني ما تكون استحالة الهواء إلى ماء في بطن الأرض دائماً، وهذا يدوم جريه ما بقي السبب الذي به يستحيل الهواء إلى ماء، والثالث الماء الذي مادته من الثلوج والأمطار وأكثر عمارة أهل الأرض به، لأنه مادة الأودية العظام والعيون والقنى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015