تحتوي الشروط الثلاثة للماء الصالح للشرب ضمناً انخفاض نسبة المواد المنحلة (عدم الإثقال ــ النفاذ ــ قبول البرودة والحرارة)، والشروط الثلاثة لا تختلف من حيث الجوهر، وإنما من حيث الدقة والتحديد الكمي لهذه الشروط. وتم تحديد درجة حرارة الماء الملائم للشرب بين (15 - 10) درجة مئوية. وتعد نسبة 1000 ملغ من المواد الذائبة حداً فاصلاً بين المياه العذبة وسواها. ويشير الكرجي إلى أن الماء الذي لا تتحقق فيه الشروط السابقة هو ماء (رديء وبيء)، والكلمتان لهما مدلولان محددان تماماً. فرديء، تعني عدم إمكانية شربه، أما وبيء فتعني أنه ناشر للوباء. والوباء هو المرض القابل للانتشار، ولا يخفى ما للمياه الملوثة من قدرة على نشر الأوبئة (12). ويتحدث الكرجي عن الماء العذب الذي يسميه الرقيق أو الخفيف، باعتباره الماء الصالح للشرب، والماء الثقيل أو الثخين أو الكريه، باعتباره الماء الملوث الذي لا يصلح للشرب. ويوصي بفحص الماء بالنظر والشم والتذوق. فالماء الصالح للشرب ليس له طعم ولا لون ولا رائحة ويقبل الحرارة والبرودة (13).

وبعد هذه الرحلة مع كتاب "إنباط المياه الخفية"ومؤلفه، فإن الدراسة المتعمقة له قد أفضت إلى مجموعة من النتائج، التي تجدر الإشارة إليها في النقاط التالية:

-تضمن الكتاب براهين رياضية وتحليلات هندسية، ووصفاً لتنفيذ أعمال إنشائية ولأجهزة قياس.

-ربط بين الاختلاف التضاريسي على سطح الأرض وحركة المياه.

-عرف الدورة المائية " الهيدرولوجية " وتوصل إلى أن الأمطار والثلوج تتسرب عبر شقوق القشرة الأرضية لتشكل مصدراً مغذياً للمياه الجوفية التي تظهر من جديد على سطح الأرض.

-شرح آلية انبثاق العيون، حين يصادف أن تتقاطع الطبقة المائية مع سطح الأرض من موقع الخزان الجوفي، فيؤدي هذا إلى تدفق العيون.

-شرح عدد من الحركات التي تحدث في الأرض، كالسقوط والانهدام بتأثير المركز، وانتقال المياه، وحركة الأجزاء الترابية الدقيقة لتترابط، وحركة القارات.

-ربط الكرجي بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية.

-شرح وفصل أنواع الماء الجوفي تبعاً لأشكال وجودها ومنسوبها عن سطح الأرض، منها الماء الساكن "البساط المائي" وماء التوآب "الماء المعلق".

-وضح أهمية الجبال كمخازن للماء الجوفي.

-أشار إلى أثر التبخر في تحويل الماء العذب إلى ماء ثخين وارتفاع نسبة المواد الصلبة فيه.

-ربط بين الأحواض المائية الجوفية والتكوينات الجيولوجية، وذكر من هذه التكوينات، حواجز قائمة ومسطحة ومائلة، وهذا الاختلاف أدى إلى ظهور المياه الجوفية بأشكال مختلفة.

-شرح وفصل طرق الاستدلال على الماء الجوفي، منها ما يتعلق بنوعية الصخور والتربة وصفاتها الفيزيائية، ومنها ما يتعلق بأنواع النبات، ومنها بعض الاختبارات، كطريقة القدح المقلوب.

- فصل الحديث في أنواع الماء الجوفي من الناحية الكيميائية، أي على حسب المواد المنحلة فيها، كالماء الصالح والمر والحلو والكبريتي والزرنيخي.

-تحدث عن الشروط الواجب توافرها في مياه الشرب، ومنها ضرورة انخفاض نسبة المواد المنحلة فيها، والاختبارات المتبعة لتحديد هذه الصلاحية، وتحديد أفضلية ماء على ماء، وبعض طرق تنقية المياه.

- تحدث عن دور الفصول والظواهر الطبيعية العائدة إلى كل فصل، وأعاد أصل الظواهر إلى التكاثف والتبخر والحالة المناخية الحرارية.

- صنف التربة تبعاً لمدى صلاحيتها لحفر القناة، والصفات الفيزيائية الواجب توافرها فيها، مثل كمية الرطوبة والقساوة، وخلوها من المواد العضوية والمركبات الضارة.

- شرح تأثير الزلازل على المياه الجوفية بالتغيرات الجيولوجية التي تحدث في باطن الأرض، وما تؤدي إليه من تغير مواقع التكوينات المائية، مما يؤدي إلى أخذها وضعية جديدة.

- أفاض في الحديث عن الأحكام والقوانين الشرعية الإسلامية التي تحكم مصادر المياه الجوفية، فأشار إلى اجتهادات عدد من الفقهاء.

ويلاحظ أن الكرجي كان مجتهداً في حل مشكلات حُرُم المصادر المائية الجوفية، وقد استفاد من ثقافته وخبرته العلمية الهندسية، مستشهداً بالأحاديث الشريفة، ومعتمداً على اجتهادات الفقهاء، فأدرك ضرورة فحص التربة والصخور، وضرورة اتباع اختبارات هندسية، كالآبار الاختبارية، وذلك من لأجل وضع تصور لأشكال التكوينات المائية الجوفية، وتحديد الحريم بناء عليه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015