وقد قلت إن الساكت لا ينسب له قول، فكيف تنسب له التاريخ المصطنع؟

و أنكر نفاة المجاز أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له،والقول بأن أصل اللغة إلهام من الله ثم كان النطق بألفاظ مستعملة فيما أريد منها نقول هذا الكلام غير مسلم؛فالخلاف في أصل اللغات وواضع اللغة هل اللغة كانت بإلهام من الله أم بالتقليد أم بالتوقيف؟ فالخلاف في واضع اللغة يثبت أن للغة وضعا فالوضع ملازم لكل مذهب من هذه المذاهب، والمراد بالوضع النطق أول مرة باللفظة دالا على معناه سواء كان مصدره الإلهام أو التقليد أو التوقيف والخروج عن الدلالة الأولى للألفاظ مستساغ ومعقول، فبعد استقرار استعمال الكلمة في معناها الذي كانت هي من أجله يقع فيها التصرف باستعمالها في دلالة أخرى هي الدلالةالمجازية،وتلازم الوضع للاستعمال مثل تلازم الحياة للحي، ويستحيل استعمال لفظ بمعزل عن اللفظ نفسه، كمايستحيل وضع لفظ بمعزل عن الاستعمال؛ لأن الواضع يضع اللفظ ويعينه للدلالة على معنى، وتصور وضع لفظ دون أن تكون حقيقة معناه ومسماه ماثلة في ذهن الواضع مستحيل فمن يرى أن أصل اللغة إلهام من الله، واستعمال لا وضع متقدم على الاستعمال. فحين ألهم الله الإنسان أن يستعمل كلمة (بحر) لصحة هذا الاستعمال فلابد من أحد أمرين

إمارؤية مجتمع الماء عيانا حين الاستعمال أو تخيل تلك الصورة إذا لم تكن حاضرة مرئية. وفي كلتا الحالتين فكلمة بحر اخترعت مقرونة بالاستعمال إما حسا وإمامعنى. ومستحيل أن تخترع كلمة (بحر) أو توضع وليس في ذهن الواضع أو المخترع تصور لمسماها فلو سلمنا أن الاستعمال سابق على الوضع فالكلمة في أول استعمال لها حقيقة، وحين تستعمل استعمالا ثانيا بينه وبين الاستعمالا لأول صلة معتبرة، ووجد في السياق دليل يرجح أو يوجب الأخذ بمعنى الاستعمال الثاني دون الأول كان المجاز لا محالة،

قال الأزهري:

يا سلام. . . هذا الكلام أشبه بنقض نظرية (الحقيقة والمجاز) منه بإثباته!

مهما قلت إن المراد بالوضع هو الاستعمال الأول، فأين لك أن الاستعمال الأول للفظ "العين" مثلا يراد به هذا المعنى دون هذا؟! وأين لك أن "البطن" مستعمل في الاستعمال الأول مضافا إلى الإنسان لا إلى غيره؟!

وأين لك أنه في الاستعمال الأول مطلقا عن القيود والقرائن - اللفظية منها والسياقية -؟؟!

وأنكر نفاة المجاز التجريد والإطلاق في اللغة فلا يجوزون القول بأن الحقيقة ما دلت على معناها عند الإطلاق والخلو من القرائن، والمجاز ما دل على معناه بمعونة القيود والقرائن أي كل الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة بقيود وقرائن توضح المعنى المراد منها فالقول بورود الألفاظ مجردة أو أنها بدون أية قرائن أو قيود تفيد معنى وبالتالي يكون المجرد منها حقيقة والمقيد بالقرائن مجاز قول خطأ، ومعنى هذا الكلام إنكار أن يكون هناك معنى يسبق إلى الفهم عند إطلاق اللفظ، وتجرده عن قرائن، وهذا الكلام يخالف ظاهر القرآن حيث قال تعالى: ? وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ? [10] وأسماء الذوات الألفاظالدالة على الأشياء مثل: أرض-سماء-بحر- فرس- إنسان .. إلخ حيننطق الإنسان الأول بها فمن المؤكد أنه نطق بها مجردة قاصدا بها الدلالة على الصورة المتكاملة – سمعية بصرية حسية- كما هي مختزنة في خياله فآدم عليه السلام أطلق الاسماء كالشجرة والبحر .. وأراد هذه الذوات نفسها أي أطلق الشجرة وأراد الشجرة وأطلق البحر وأراد البحر فثبت أن هناك ألفاظاً مجردة عن القرائن يقصد بها الوضع الأول أو الاستعمال الأول للكلمة فالألفاظ عند تجردها عن القرائن يسبق إلى الفهم ويتبادر إلى الذهن معنى هذا المعنى هو الذي وضع اللفظ له في الأصل فعند إطلاق كلمة عين يتبادر للذهن العضو الباصر، وعند إطلاق كلمة الأنف يقصد بها العضو الشام

قال الأزهري:

هذا فهم غير صحيح لمراد الأئمة، ولا جرم أن يصدر منه إلزامات ليس في محلها.

عندما يقول الإنسان: "رأس" ما الذي يتبادر إلى ذهنه وذهن السامع؟

رأس الإنسان؟ أم رأس الحيوان؟ أم رأس الجنى؟ أم رأس الأمر؟ أم رأس السنة؟ أم ماذا؟!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015