ونفي القياس يعني عجز الشريعة عن حل المسائل المستحدثة، ورحم اللَّه الإمام أحمد حيث قال: إنه ما من مسألة إلاَّ وقد تكلَّم فيها الصحابة أو في نظيرها.

فالأحكام إذن نوعان: أحكام استأثر اللَّه بعلم عللها ولم يمهد السبيل إلى إدراك هذه العلل ليبلو عباده ويختبرهم هل يمتثلون وينفذون، ولو لم يدركوا ما بني عليه الحكم من علة، وتسمّى هذه الأحكام بالتعبدية (مثل تحديد عدد الركعات في الصلوات الخمس، وتحديد الأنصبة في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقادير الحدود والكفارات ... إلخ).

والنوع الثاني من الأحكام لم يستأثر اللَّه تعالى بعللها، بل أرشد العقول إلى عللها بنصوص أو بدلائل أخرى أو أقامها للاهتداء بها، وهذه تسمى الأحكام المعقولة المعنى، وهذه هي التي يمكن أن تُعدَّى من الأصل إلى غيره بواسطة القياس.

ضوابط القياس:

مذهب جمهور علماء المسلمين أن القياس حجة شرعية على الأحكام العملية، وأنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، بحيث إذا لم يوجد في الواقعة حكم بنص من القرآن أو السنة، عُمِل بالقياس، ويكون هذا الحكم شرعيًا ويسع المكلف اتباعه والعمل به.

والناس في القياس طرفان ووسط، فطرف أنكر القياس أصلاً، وطرف أسرف في استعماله حتى ردَّ به النصوص الصحيحة، والحق هو التوسط بين الطرفين، وهذا هو مذهب السلف، فإنهم لم ينكروا أصل القياس ولم يثبتوه مطلقًا، بل أخذوا بالقياس واحتجوا به، ولكن وفق الضوابط الآتية:

الضابط الأول: ألاَّ يوجد في المسألة نص، لأن وجود النص يسقط القياس، فلابد أولاً من البحث عن النص قبل استعمال القياس (والمراد بالنص هنا، النص القاطع للنزاع، يعني ليس نصًا محتملاً لعدة تأويلات).

فلا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز.

الضابط الثاني: أن يصدر هذا القياس من عالم مؤهل قد استجمع شروط الاجتهاد، فلا يسع كل أحد حتى وإن ألمَّ بالعلوم الشرعية أن يجتهد ويقيس، فضلاً عمن لا يعرف شيئًا على الإطلاق من الدين فإنه يجتهد ويعمل الرأي الفاسد والهوى باسم الاجتهاد.

الضابط الثالث: أن يكون القياس في نفسه صحيحًا قد استكمل شروط القياس الصحيح (كما سيأتي).

فهذا هو القياس الذي أشار إليه السلف واستعملوه، وعملوا به وأفتوا به وسوغوا القول به، وهو الميزان الذي أنزل اللَّه مع كتابه، قال تعالى: http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_R.GIF الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_L.GIF [ الشورى: 17].

ويقول سبحانه: http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_R.GIF لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_L.GIF [ الحديد: 25].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكذلك القياس الصحيح حق، فإن اللَّه بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل، وما يعرف به العدل.

وقال ابن القيم في القياس الصحيح: هو الميزان الذي أنزل اللَّه تعالى مع كتابه.

وهذا القياس من العدل الذي جاءت به الشريعة ولا يمكن أن يقع بينهما شيء من التعارض أو التناقض، أما القياس الذي خلا من هذه الضوابط أو من واحدٍ منها فهو القياس الباطل والرأي الفاسد، وهو الذي ذمه السلف.

والله تعالى حكم حكمًا واحدًا في الأشياء المتماثلة، وهو تعالى لا يسوِّي بين الأشياء المختلفة في الحكم أبدًا، بل يفرق بينهما، كما قال تعالى: http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_R.GIF أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_L.GIF [ القلم: 35، 36].

فهذا نص صريح في أن اللَّه جل وعلا يفرِّق بين المسلمين والمجرمين، ويفهم من الآية أنه تبارك وتعالى يسوِّي بين المسلمين بعضهم من بعض ...

وهذا هو عطاء اللَّه تعالى، يذكِّر العقول وينبه الفطر بما أودع فيها من التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين.

وكذا في قوله تعالى: http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_R.GIF أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار http://www.altawhed.com/Images/رضي الله عنهRصلى الله عليه وسلمKصلى الله عليه وسلمT_L.GIF [ ص: 28].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015